أزمة عابرة أم خلل هيكلي؟ واقع كرة القدم التونسية

في السادس من جوان 2026، وعلى أرضية ملعب الملك بودوان ببروكسل، تلقّى المنتخب التونسي هزيمة ثقيلة بخماسية نظيفة أمام بلجيكا في مباراة ودية كان يُفترض أن تكون المحطة الأخيرة للاستعداد لكأس العالم. بدا الأمر حينها مجرد تعثّر عابر أمام أحد كبار المنتخبات الأوروبية، لكن الأيام اللاحقة كشفت أنه كان نذيرًا لانهيار أعمق. فبعد تسعة أيام فقط، افتتح "نسور قرطاج" مشاركتهم المونديالية بخسارة قاسية أمام السويد (5-1)، قبل أن يسقطوا مجددًا أمام اليابان (4-0)، لتنتهي رحلة النسور في محطة دور المجموعات مع هزيمة أخيرة أمام هولندا (3-1) لتتلقى الشباك التونسية سبعة عشر هدفا في أربع مباريات متتالية مقابل هدفين وحيدين  سجلهما المنتخب. لم يكن الأمر مفاجئا لمن يتابع مسار الكرة التونسية عن كثب، فقبل هذا الإنهيار المؤلم بسنوات، كانت المؤشرات تتراكم بصمت، منبهة إلى أزمة أعمق من مجرد نتائج مخيبة.
بقلم | 26 جوان 2026
20 دقيقة
في الرابع من جانفي 2026، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على الخروج المبكر من كأس أمم إفريقيا أمام مالي بركلات الترجيح، أعلن الاتحاد التونسي لكرة القدم إنهاء تعاقده مع سامي الطرابلسي وكامل جهازه الفني. وجاء صبري لموشي خلفًا له وسط آمال بفتح صفحة جديدة واستعادة التوازن، غير أن الجدل سرعان ما رافق خياراته الفنية منذ قائمته الأولى، فيما ظلت النتائج متذبذبة وعاجزة عن تبديد الشكوك. وبعد أشهر قليلة فقط، وتحديدًا في 15 جوان أصبح لموشي أول مدرب يغادر منصبه خلال كأس العالم 2026، إثر الهزيمة الثقيلة في المباراة الافتتاحية. لم يكن هذا التغيير المتسارع على رأس الجهاز الفني سوى حلقة جديدة في مسلسل عدم الاستقرار الذي يطبع المنتخب الوطني، ومؤشرًا إضافيًا على أن الأزمة تتجاوز أسماء المدربين واللاعبين لتطال البنية العميقة للمنظومة الكروية التونسية بأكملها. 

الخروج المبكر، عادة وليس استثناء

عندما ودّع المنتخب التونسي المنافسات الدولية الأخيرة بنتائج مخيبة للآمال، انصبّ النقاش مجددًا على المدرب واللاعبين والاختيارات الفنية. وكما يحدث عادة بعد كل إخفاق، تحوّل الجدل إلى مساءلة الأشخاص أكثر من مساءلة المنظومة. غير أن النظر إلى نتائج المنتخب الوطني بمعزل عن السياق الأوسع لكرة القدم التونسية يحجب جانبًا أساسيًا من المشكلة: فالمنتخبات لا تعمل في فراغ، وإنما هي مخرجات منظومة كاملة تشمل التمويل والبنية التحتية والتكوين والحوكمة والبطولة المحلية والقدرة الاقتصادية للأندية.

خلال العقود الماضية، نجحت تونس في الحفاظ على صورة "القوة الكروية المستقرة" في إفريقيا. تأهلات متكررة إلى كأس العالم، حضور شبه دائم في كأس أمم إفريقيا، وأندية قادرة على المنافسة قاريا. لكن السنوات الأخيرة أظهرت مؤشرات متراكمة تدل على تراجع أعمق من مجرد إخفاق رياضي عابر.

فمنذ مونديال 2018 لم ينجح المنتخب التونسي في تحقيق نقلة نوعية على المستوى الدولي. في كأس العالم ظل سقف الإنجاز هو الخروج من دور المجموعات، بينما تراجعت النتائج في كأس أمم إفريقيا مقارنة بالفترات التي كان فيها المنتخب منافسا على الأدوار المتقدمة.

ولا يقتصر الأمر على النتائج النهائية فقط، ليشمل أيضا مؤشرات الأداء العامة. فقد تراجع ترتيب تونس في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. بعد أن كانت تحتل المرتبة الخامسة والعشرين عالميا سنة 2021، قبل أن تسجل تراجعا حادا إلى المرتبة الثانية والخمسين سنة 2024. ورغم بعض التحسن النسبي لاحقا، فإن المنتخب بقي بعيدا عن موقعه السابق ليستقر سنة 2026 في حدود المرتبة الثامنة والخمسين عالميا.

هذا التراجع لا يمكن تفسيره بحدث منفرد أو دورة رياضية سيئة. فالترتيب الدولي يعكس أداء متراكما على امتداد سنوات ويقيس قدرة المنتخب على الحفاظ على تنافسيته أمام منتخبات مختلفة. وعندما يستمر التراجع لفترة طويلة فإنه يصبح مؤشرا على أزمة أعمق من مجرد سوء حظ أو أخطاء تكتيكية.

الأكثر دلالة هو أن المنتخب عرف خلال الفترة نفسها حالة من عدم الاستقرار الفني. فمنذ سنة 2018 تداول على تدريبه عدد كبير من المدربين في فترات قصيرة نسبيا. هذا التغيير المستمر يعكس غياب مشروع رياضي طويل المدى ويجعل المنتخب يعيش في حالة إعادة بناء دائمة. فكل مدرب يأتي بفلسفة مختلفة وقائمة لاعبين مختلفة وأولويات مختلفة، ما يحول دون بناء هوية لعب مستقرة.

لكن تحميل المسؤولية للمدربين وحدهم يبقى تبسيطا مفرطا. فالسؤال الحقيقي هو لماذا أصبحت المنظومة غير قادرة على إنتاج الاستقرار والنتائج في الوقت نفسه؟

اسثتمار عمومي رياضي ضعيف

في عالم كرة القدم الحديثة لم تعد النتائج الرياضية منفصلة عن القدرات الاقتصادية. فالمنتخبات الناجحة اليوم هي في الغالب انعكاس لدوريات قوية وأندية قادرة على الاستثمار في التكوين والبنية التحتية والاستقطاب. في هذا السياق تبدو تونس وكأنها تخسر تدريجيا سباق الاستثمار الرياضي مقارنة بمنافسيها الإقليميين.

ففي الوقت الذي ضاعفت فيه دول مثل المغرب ومصر والجزائر استثماراتها في الرياضة خلال السنوات الأخيرة، ظلت الاعتمادات المخصصة للقطاع الرياضي في تونس محدودة نسبيا مقارنة بحجم التحديات. كما أن جزءا كبيرا من الموارد المتاحة يذهب إلى تغطية النفقات الجارية بدل توجيهه نحو الاستثمار طويل المدى في البنية التحتية والتكوين.

يتجاوز الإشكال حجم الميزانية ليشمل أيضا طبيعة الخيارات المعتمدة. ففي التجارب الناجحة أصبح الاستثمار الرياضي جزءا من رؤية تنموية أوسع تشمل الاقتصاد والسياحة والصورة الدولية للدولة. أما في تونس فما تزال الرياضة تُدار بمنطق تسيير الأزمات أكثر من منطق التخطيط الاستراتيجي.

وهنا تبدأ الفجوة في الاتساع. فبينما تبني دول الجوار ملاعب جديدة ومراكز تكوين حديثة وبرامج لاكتشاف المواهب، تجد الأندية التونسية نفسها منشغلة بأزمات الديون والنزاعات المالية وصعوبات التسيير.

بنية تحتية مهترئة

تعتبر البنية التحتية أحد أهم المؤشرات على صحة المنظومة الرياضية. فاللاعب الذي يتدرب في ملاعب ذات جودة عالية ويستفيد من مراكز تكوين مجهزة يملك فرصا أكبر للتطور مقارنة بلاعب يعمل في ظروف متواضعة. لكن جولة سريعة في واقع الملاعب التونسية تكشف حجم الأزمة.

فالعديد من المنشآت الرياضية الكبرى تعاني منذ سنوات من مشاكل تتعلق بالصيانة والتجهيزات أو الإغلاق الجزئي والكلي. وأصبحت صور الملاعب المغلقة أو الخاضعة للأشغال جزءا من المشهد المعتاد لكرة القدم التونسية.

ولا تقتصر المشكلة على الملاعب الكبرى فقط، بل تشمل أيضا التفاوت الجهوي الكبير. فالكثير من الأندية في الجهات الداخلية تعمل في ظروف بعيدة عن المعايير الحديثة سواء من حيث أرضيات الملاعب أو المرافق الملحقة أو مراكز التكوين.

توزيع الملاعب المعشبة في تونس

في المقابل، تحولت البنية التحتية في المغرب مثلا إلى رافعة استراتيجية لكرة القدم المحلية. فاستضافة البطولات القارية والعالمية دفعت إلى إنشاء وتجديد عدد كبير من الملاعب ومراكز التدريب. وأصبح الاستثمار في المنشآت الرياضية جزءا من مشروع وطني متكامل.

أما في تونس فما تزال بعض المنشآت الأساسية التي صنعت أمجاد كرة القدم الوطنية في العقود الماضية تنتظر مشاريع إعادة التأهيل أو التحديث. على غرار ملعب المنزه الذي توقفت أشغال تهيئته والملعب الأولمبي بسوسة الذي يعرف عديد النقائص رغم أشغال التوسعة والتطوير التي عرفها بين سنتي 2019 و2022.

والنتيجة أن اللاعب التونسي يدخل المنافسة الدولية وهو قادم من بيئة رياضية أقل تطورا مقارنة بالبيئات التي يتكون فيها منافسوه.

دوري محلي ضعيف

إذا كانت كرة القدم قد تحولت اليوم الى صناعة، فإن القيمة التسويقية للأندية واللاعبين تعد من أهم المؤشرات على قوة هذه الصناعة. تكشف الأرقام أن البطولة التونسية لم تعد تحتل الموقع الذي كانت تتمتع به سابقا داخل الفضاء العربي والإفريقي. 

 تعكس هذه الأرقام أسعار اللاعبين ومستوى الاستثمار والقدرة على الاحتفاظ بالمواهب وجاذبية البطولة للمستثمرين والرعاة والجماهير. وعندما تصبح قيمة البطولة التونسية أقل من نظيراتها الإقليمية، فإن ذلك يعني أن الأندية التونسية تملك موارد أقل لاستقطاب اللاعبين وتطوير البنية التحتية وتحسين ظروف العمل. 

كما أن القيمة التسويقية للأندية التونسية نفسها تكشف عن اتجاه مقلق. فبعض الأندية الكبرى سجلت تراجعا ملحوظا في قيمتها خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس صعوبات مالية وهيكلية متزايدة.

وتتجاوز آثار هذا الوضع الجانب الاقتصادي لتصل مباشرة إلى المستوى الرياضي والاجتماعي داخل الأندية. فهناك فرق في الرابطة المحترفة الأولى لا تلتزم أحيانا بدفع أجور لاعبيها بانتظام، وبعضها يتأخر في خلاص المستحقات لأشهر، بينما توجد حالات لا يحصل فيها اللاعبون على أجورهم إلا بعد ضغط أو تدخلات أو تسويات متأخرة. وحتى عندما يتم الدفع، فإن متوسط الأجور في عدد من الأندية يبقى ضعيفا إلى درجة تجعل الاحتراف نفسه هشّا وغير مستقر، إذ يضطر اللاعب إلى التفكير في مستحقاته قبل التفكير في التطور الفني أو الاستقرار الذهني.

وإذا كان هذا هو الواقع في الدرجة الأولى، فإن الصورة في الدرجات الأدنى تبدو أكثر قتامة وهشاشة بكثير، حيث تتضاعف مشاكل التمويل وتغيب الضمانات المهنية، وتصبح ممارسة كرة القدم أقرب إلى مجهود فردي منه إلى مسار احترافي حقيقي. ومع مرور الوقت ينعكس ذلك على جودة البطولة ككل، لأن البطولة التي لا تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المالي لا يمكنها أن تنتج تنافسية مستدامة أو مواهب قادرة على التطور في ظروف سليمة. 

مستوى الدوري المحلي أثر بكل تأكيد على الحضور القاري للأندية التونسية. فلفترة طويلة كانت الأندية التونسية تمثل أحد أعمدة كرة القدم الإفريقية، على غرار الترجي الرياضي التونسي والنجم الساحلي والنادي الصفاقسي التي نجحت في بناء سجل قاري جعل تونس حاضرة باستمرار في الأدوار المتقدمة.

لكن هذا الحضور أصبح متذبذبا خلال السنوات الأخيرة. حيث تقلص عدد الأندية التونسية الحاضرة بانتظام في المراحل المتقدمة مقارنة ببعض المنافسين الإقليميين.

هذا التراجع القاري ليس مجرد مسألة رمزية. فالمسابقات الإفريقية تمثل اليوم مصدرا مهما للعائدات المالية والخبرة الرياضية والظهور الدولي. وكلما تراجع حضور الأندية التونسية فيها، خسرت كرة القدم الوطنية جزءا من مواردها وقدرتها على التطور.

التعويل على اللاعبين المحترفين بالخارج : رهان فاشل ؟

ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت تونس ما تزال تنتج المواهب بنفس الوتيرة التي صنعت نجاحاتها السابقة. إذ اعتمدت كرة القدم التونسية تاريخيا على قدرتها على تكوين لاعبين قادرين على الاندماج في البطولات الأوروبية على غرار حاتم الطرابلسي وزبير بية وراضي الجعايدي، أو قيادة الأندية المحلية لتتويجات قارية مثل ياسين الشيخاوي وأمين الشرميطي ويوسف المساكني وأسامة الدراجي.

أما اليوم يبدو أن عجلة انتاج المواهب واكتشافها قد توقفت أو تعطلت. فعدد مراكز التكوين المتخصصة يظل منقوصا مقارنة بحجم البلاد وعدد السكان. كما أن توزيعها الجغرافي غير متوازن، ما يحرم مناطق عديدة من فرص اكتشاف المواهب وتطويرها.

وتتجلى المشكلة أيضا في ضعف الربط بين التكوين والاحتراف. ففي العديد من الحالات لا يجد اللاعب الشاب المسار الواضح الذي يسمح له بالانتقال من الفئات السنية إلى المستوى الاحترافي في أفضل الظروف. في المقابل، استثمرت دول أخرى  في الأكاديميات ومراكز التكوين. وأصبح اكتشاف المواهب عملية مؤسساتية تعتمد على شبكات من الكشافين والمدربين والبنى التحتية المتخصصة.

والنتيجة أن هذه الدول باتت تنتج عددا أكبر من اللاعبين القادرين على المنافسة في أعلى المستويات، على غرار مصر التي حققت فوزها التاريخي الأول في المونديال ضامنة ترشحها للدور المقبل ب 17 لاعب محلي منهم 7 أساسيين، مقابل 6 لاعبيين محليين تونسيين ولاعب أساسي واحد في المنتخب هذا المونديال.

وفي المقابل، يولي الخطاب الكروي في تونس أهمية متزايدة لعدد اللاعبين المحترفين في أوروبا، باعتباره أحد المؤشرات على انفتاحهم على مستويات أعلى من المنافسة. غير أن هذا العامل لا يكفي وحده للحكم على القيمة الفنية، إذ تختلف التجارب باختلاف البطولات والأندية والأدوار التي يشغلها اللاعبون داخل فرقهم.

ففي مصر، يبرز محمد صلاح كأحد أبرز نجوم ليفربول، إلى جانب عمر مرموش مع مانشستر سيتي. وفي المغرب، أشرف حكيمي مع باريس سان جيرمان، ونصير مزراوي مع مانشستر يونايتد، وإبراهيم دياز مع ريال مدريد، أما في الجزائر، فيبرز رامي بن سبعيني مع بوروسيا دورتموند، وريان آيت نوري مع مانشستر سيتي.

لذلك، فإن تقييم اللاعبين يحتاج إلى النظر إلى دقائق اللعب، وطبيعة الدور التكتيكي، والاستمرارية، ومستوى المنافسة، وليس إلى مجرد مكان الاحتراف الخارجي. 

في الختام لا يمكن اختزال ما تعيشه كرة القدم التونسية في ضعف جيل من اللاعبين أو فشل مدرب بعينه. فالمنتخب ليس سوى الحلقة الأخيرة في منظومة تمتد من التمويل والبنية التحتية إلى التكوين واكتشاف المواهب والبطولة المحلية، وصولًا إلى الهياكل المشرفة على القطاع، وفي مقدمتها المكتب الجامعي، الذي يظل محل انتقادات متكررة بسبب أساليب الحوكمة والإدارة وغياب أي رؤية.

 لذلك، فإن أي قرار يُتخذ عقب خيبة هذا المونديال، سواء تعلق بتغيير المدرب أو المكتب الجامعي، لن يكون كافيًا ما لم يندرج ضمن إصلاح شامل يعالج مختلف الاختلالات التي تعاني منها المنظومة الكروية التونسية. ففي زمن أصبحت فيه كرة القدم صناعة قائمة على الاستثمار والتخطيط طويل المدى، لم يعد السؤال كيف تستعيد تونس نتائجها السابقة، إنما كيف تبني منظومة تستجيب لحاجيات كرة القدم الحديثة بعيدا عن الإرتجال والإعتباطية.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول