كواليس القائمة التونسية لكأس العالم 2026 :اختيارات مفروضة، لوبيات وتدخّلات

بعد أربعة أشهر من خيبة كأس أمم إفريقيا، يبدو أنّ الجامعة التونسية لكرة القدم لم تُراجع أساليبها في التسيير. فقائمة صبري لموشي لكأس العالم 2026 تكشف، من جديد، استمرار التدخلات والولاءات نفسها: وراء مجموعة يُفترض أنها بُنيت على أسس رياضية، تبرز اختيارات مفروضة، ووعود تبخّرت، ومنظومة مصالح سبق أن كشفت إنكفاضة خفاياها منذ أشهر. 
10 دقائق
متوفر باللغة الفرنسية

على المستوى الرياضي البحت، لا تثير قائمة صبري لموشي لكأس العالم 2026 الكثير من الاستغراب. فالمدرب الفرنسي-التونسي اختار مجموعة تبدو، في ظاهرها، متوازنة وخالية من المفاجآت الكبرى. لكن عند التدقيق في بعض الأسماء والاختيارات، تظهر تناقضات يصعب تفسيرها بمعايير فنية فقط.  حاولت إنكفاضة كشف هذه النقاط تحديدًا، إلى جانب الخلفيات التي تقف وراءها.

خلف الخطاب الفني المعتاد، تعود إلى السطح الممارسات نفسها التي أُثيرت عقب كأس إفريقيا: أسماء فُرضت من داخل الجامعة، ومحاصصة غير معلنة بين الأندية، واستغلال منح الفيفا لتغذية شبكات المصالح، فضلًا عن وعود قُطعت للاعبين ثم جرى التراجع عنها. هكذا تكشف القائمة استمرار منظومة قديمة ما تزال تتحكم في دواليب الكرة التونسية رغم كل الانتقادات والدعوات إلى الإصلاح.

لموشي... مدرب تحت "الوصاية"

قُدّم صبري لموشي منذ تعيينه كمدرب صاحب شخصية قوية وقناعات واضحة، لكنّه وافق، منذ وصوله في جانفي 2026، على معادلة يعرفها جيّدًا كل من مرّ عبر المنتخب: ألا تكون له السيطرة الكاملة على قائمته. ووفق معطيات حصلت عليها إنكفاضة، كان الاتفاق غير معلن، لكنه قائم فعليًا، إذ تحتفظ الجامعة التونسية لكرة القدم بحق التدخل لفرض بعض الأسماء، بغضّ النظر عن رأي الإطار الفني، في امتداد مباشر للمنظومة التي ترسّخت خلال عهد وديع الجريء.

ولا يُعتبر هذا الأسلوب جديدًا على المنتخب. فمن فرض شارة القيادة على فرجاني ساسي في فترة سامي الطرابلسي، إلى التدخل في التشكيلة خلال كأس إفريقيا دون العودة إلى المدرب، تتكرر الآليات نفسها منذ سنوات. وما تكشفه معلوماتنا اليوم هو أن لموشي بدوره لم يكن بمنأى عن هذه التدخلات، إلى درجة أن هامش سلطته داخل المجموعة بدأ يتآكل حتى قبل خوض أول مباراة.

فعلى سبيل المثال، أثار استدعاء راني خضيرة، متوسط ميدان اتحاد برلين الألماني البالغ من العمر 32 سنة، الكثير من علامات الاستفهام، حتى داخل أروقة المنتخب.إذ عبّر عدد من اللاعبين عن استغرابهم من استدعاء لاعب كان قد أعلن سابقًا، وبشكل علني، أنه لا ينوي حمل قميص المنتخب التونسي، قبل أن يصبح اليوم ضمن قائمة المونديال.

وعود لم تُحترم

خلال الأشهر الأخيرة، كثّف لموشي تحرّكاته واتصالاته المباشرة بعدد من اللاعبين في محاولة لإقناعهم بمشروعه مع المنتخب وبالدور الذي ينتظرهم ضمن المجموعة. وكانت أولى هذه التحركات مع عيسى العيدوني، إذ تنقّل المدرب شخصيًا إلى قطر للقاء لاعب وسط الوكرة، وأكد له بشكل مباشر أنه يعوّل عليه في كأس العالم.

واكتسبت هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى الطريقة التي أُبعد بها العيدوني عن كأس إفريقيا، وهي القضية التي سبق أن كشفت إنكفاضة تفاصيلها. فبحسب معلوماتنا، لم تكن إصابة اللاعب بالخطورة التي تمنعه من المشاركة، بل كان راغبًا في خوض البطولة. غير أن الطاقم الطبي للجامعة اعتبره غير جاهز دون الرجوع إلى ناديه، في وقت شارك فيه العيدوني مع الوكرة خلال فترة “الكان”. ورغم الوعود التي تلقاها من لموشي خلال اللقاء في قطر، انتهى الأمر باستبعاده من القائمة النهائية للمونديال.

أما الملف الثاني فيخصّ فرجاني ساسي. فوفق معلوماتنا، بادر لموشي بالتواصل معه شخصيًا، وأكد له أنه سيكون ضمن المجموعة، بل ووعده أيضًا بحمل شارة القيادة. ولطمأنته أكثر، شدّد المدرب خلال مكالمة الفيديو بينهما على أنه واثق تمامًا من قراره، إلى حدّ أنه أخبر اللاعب بإمكانه تسجيل المكالمة إن أراد. لكن، في النهاية، غاب ساسي عن القائمة النهائية.

وتكشف حالة أمين الشارني عن المنطق نفسه. فقبل تربص مارس 2026 وإعلان أول قائمة للموشي، سافر المدرب إلى تركيا للقاء مدافع غوزتيبي، وأبلغه بشكل مباشر أنه سيكون ضمن المجموعة. لكن، ورغم أن الشارني كان يعيش واحدًا من أفضل مواسمه، تفاجأ لاحقًا باستبعاده من قائمة مارس.

وزاد من تعقيد الوضع أن الجامعة أعلنت حينها أن اللاعب يعاني من إصابة، في وقت كان فيه جاهزًا بدنيًا بشكل كامل. ووفق معطياتنا، فكّر الشارني في الخروج لتكذيب الرواية بشكل علني، قبل أن يتراجع بعد نصائح من مقربين منه، خشية أن يؤدي ذلك إلى إغلاق أبواب المنتخب أمامه نهائيًا.

خلّفت هذه الوعود التي لم تُحترم حالة من التململ داخل المجموعة، إلى درجة أن بعض اللاعبين باتوا يشككون علنًا في قدرة لموشي على إدارة غرفة الملابس. كما بدأت تتردّد انتقادات بشأن أسلوبه في تقديم تطمينات للاعبين ثم التراجع عنها، فضلًا عن طريقته المتشنجة في التعامل مع المواقف التي تخرج عن سيطرته.

وفي ملف لؤي بن فرحات، تشير معلوماتنا إلى أن الأزمة اندلعت بعد طلب اللاعب تأخير موعد التحاقه بالمنتخب. فمواعيد التربصات تكون معلنة مسبقًا من قبل الجامعة، لكن اللاعب، وبالتنسيق مع الطاقم الطبي، طلب أسبوعًا إضافيًا لاستكمال مرحلة التعافي من إصابة طويلة، خاصة وأن ناديه يخطط لتسويقه خلال الميركاتو الصيفي. ولم يرفض بن فرحات الالتحاق بالمنتخب بشكل مباشر، غير أن لموشي اعتبر الطلب تجاوزًا، ما أدى إلى مكالمة متوترة مع اللاعب ثم مع والده، وصلت، وفق معلوماتنا، إلى حدّ التهديد. وسرعان ما انتقل التوتر إلى العلن خلال المؤتمر الصحفي، ليجد اللاعب نفسه مضطرًا إلى توضيح موقفه أمام وسائل الإعلام.

وفي سياق آخر، شهدت المجموعة أيضًا خلافًا بين لموشي وعلي العابدي حول شارة القيادة، بعدما أبدى اللاعب رغبته في حملها، قبل أن يتدخل وهبي الخزري، الموجود ضمن الإطار الفني، لاحتواء التوتر وتهدئة الأجواء.

منظومة المحاصصة ومصالح الفيفا

تعكس اختيارات المدرب منطقًا سبق أن كشفت عنه تحقيقات إنكفاضة في أكثر من مناسبة. فبناء القائمة لا يقوم فقط على المعايير الفنية، بل يخضع أيضًا لحسابات تهدف إلى إرضاء الأندية، عبر ضمان تمثيل كل "فريق كبير" بلاعب واحد على الأقل داخل المنتخب.

ولا ترتبط هذه الحسابات بالجانب الرياضي فقط، بل تتداخل فيها اعتبارات مالية وسياسية كذلك. فالفيفا تمنح الأندية تعويضات مالية عن كل لاعب يتم تسريحه للمشاركة مع منتخبه خلال البطولة، وترتفع قيمة هذه التعويضات كلما واصل المنتخب مشواره في كأس العالم. وخلال مونديال 2022، بلغت القيمة الجملية لهذه المنح حوالي 209 ملايين دولار، بمعدل يقارب 10 آلاف و950 دولارًا يوميًا عن كل لاعب.

ورغم أن هذا النظام تنظّمه الفيفا بشكل واضح، فإن ما يبقى بعيدًا عن الأضواء هو الطريقة التي يُستغل بها داخل الجامعة التونسية لكرة القدم لخدمة توازنات النفوذ والمصالح. ووفق معلوماتنا، بُنيت قائمة 2026 على قاعدة غير معلنة تقوم على ضمان تمثيل مختلف الأندية الكبرى، حتى تستفيد جميعها من العائدات المالية المرتبطة بالمشاركة في المونديال.

ويُعتبر ملف الحارس أيمن دحمان من أبرز الأمثلة على ذلك. فبحسب معطياتنا، لم يكن صبري لموشي متحمسًا لاستدعائه، لكن منطق “التوازنات” فرض وجود لاعب من النادي الصفاقسي ضمن القائمة، خاصة في ظل النفوذ الذي يمارسه معز المستيري، الرئيس السابق للنادي والعضو الحالي بالمكتب الجامعي. ويقود حسين جنيّح هذا النوع من الترضيات في محاولة للحفاظ على هدوء العلاقات مع مختلف الأطراف.

وفي المقابل، دفع نور الدين الفرحاتي، حارس الملعب التونسي، ثمن هذه الحسابات، رغم الموسم اللافت الذي قدّمه بتحقيقه 19 مباراة بشباك نظيفة. كما حافظ صبري بن حسن على مكانه ضمن القائمة باعتباره ممثل النجم الساحلي في معادلة المحاصصة غير المعلنة.

وينطبق المنطق نفسه على استدعاء رائد الشيخاوي، لكن هذه المرة عبر شبكة نفوذ أخرى. فالإتحاد المنستيري يمتلك، وفق معلوماتنا، حضورًا قويًا داخل دواليب الجامعة من خلال مروى السخيري، رئيسة لجنة النزاعات والأمينة العامة السابقة للاتحاد المنستيري، التي تدفع باستمرار نحو حضور لاعب من فريقها في القوائم الوطنية. وفي هذا السياق، تم تفضيل الشيخاوي على علاء غرام، رغم أن المؤشرات الفنية كانت تصب أكثر في صالح هذا الأخير. وكان بإمكان غرام أن يكون ضمن القائمة بدل ديلان برون، الذي لم يخض أي مباراة منذ جانفي، لكنه يظل مدعومًا بعلاقته القوية مع وهبي الخزري.

كما تم استبعاد غيث الزعلوني من النادي الإفريقي، لكن بمنطق مختلف قليلًا: فالنادي الإفريقي يملك أصلًا ممثلين اثنين في القائمة، وهما عبد المهيب الشامخ وفراس شواط. لذلك وقع تفضيل معتز النفاتي في الدفاع في إطار محاولة لتحقيق توازن بين الأندية. أما محمد أمين بن حميدة، فتفسَّر دعوته بضرورة تمثيل الترجي الرياضي التونسي بدوره.

حسين جنيّح... الرجل الأقوى في الظلّ

كما كشفت تحقيقات إنكفاضة خلال الأشهر الماضية، ما يزال حسين جنيّح يمسك فعليًا بمفاصل القرار داخل الجامعة التونسية لكرة القدم. فدوره لا يقتصر على صلاحياته الرسمية كنائب للرئيس، بل يمتد إلى التأثير في الخيارات الرياضية، وإدارة التواصل، وحتى التعامل مع الأزمات، وسط غياب أي توازن حقيقي داخل هياكل القرار.

وتأتي قائمة كأس العالم لتؤكد مجددًا حجم هذا النفوذ. فبحسب معلوماتنا، لم تكن كل الاختيارات فنية بحتة، إذ فُرضت بعض الأسماء من داخل الجامعة، وخاصة من دائرة نائب الرئيس. كما دفعت التوترات التي هزّت المكتب الجامعي، والتي تصاعدت بعد تحقيقات إنكفاضة المنشورة في جانفي، نحو اعتماد سياسة تقوم على التسويات وتوزيع “الترضيات” بين مختلف الأندية.

وفي سبيل امتصاص الضغوط القادمة من عدة أطراف، جرى توزيع المقاعد داخل القائمة بطريقة تراعي موازين النفوذ أكثر مما تراعي الانسجام الرياضي للمجموعة.

أما معز الناصري، رئيس الجامعة، فينظر إليه عدد من الفاعلين داخل المنظومة باعتباره واجهة أكثر منه صاحب قرار فعلي. ويختصر مصدر من داخل الجامعة هذا التصور بالقول: “معز الناصري موجود لتجميل الواجهة فقط، وكأن المطلوب إظهار أن مرحلة وديع الجريء انتهت. لكن في الواقع، المنظومة نفسها ما تزال قائمة، وربما أصبحت اليوم أكثر حضورًا من السابق”.

Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول