النساء البحّارات: هشاشة مضاعفة وعمل غير معترف به
تقول زينة جابر، وهي بحّارة تبلغ من العمر 61 سنة، إنها تعلمت الصيد منذ طفولتها دون أن يعلّمها أحد، مثل كثير من أبناء الجزيرة.
"البحر هو حياتي كاملة… منجمش نعيش من غير البحر"، تقول زينة، التي ما تزال تخرج إلى البحر مع ساعات الفجر الأولى.

وتوضح أن يومها يبدأ في حدود الخامسة صباحا، حيث تتجه إلى البحر ثم تعود لمواصلة الأعمال المنزلية والفلاحية وإصلاح الشباك وصبغها وتركيبها.
تواجه النساء البحّارات في قرقنة آثار التغيرات المناخية بشكل مضاعف، باعتبار أن تراجع الثروة البحرية يؤثر مباشرة على دخلهن اليومي، في ظل غياب حماية اجتماعية فعلية.
فإلى جانب العمل في البحر، تتحمل النساء البحّارات في قرقنة سلسلة طويلة من المسؤوليات اليومية التي تبدأ قبل الخروج إلى الصيد ولا تنتهي بالعودة من البحر. فالكثير منهن يجدن أنفسهن أمام يوم عمل مزدوج، بل أحيانا ثلاثي، يجمع بين الصيد والأعمال المنزلية والفلاحة في آن واحد.تبدأ بعض النساء يومهن قبل ساعات الفجر الأولى، حيث يرافقن أزواجهن أو أبناءهن إلى البحر، أو يخرجن بمفردهن في قوارب صغيرة للصيد وجمع بعض الكائنات البحرية.
وبعد ساعات من العمل وسط الأمواج والرياح، لا تنتهي المهام عند العودة إلى اليابسة، بل تبدأ مرحلة أخرى من العمل داخل البيت.تقول زينة جابر إن العودة من البحر تعني مباشرة الانشغال "بقضية الدار والصغار"، في إشارة إلى الأعمال المنزلية ورعاية الأبناء، إضافة إلى الاهتمام بالفلاحة. فكثير من نساء قرقنة يعملن أيضا في العناية بأشجار الزيتون أو الكروم أو بعض الزراعات الموسمية، في محاولة لتوفير مورد رزق إضافي في ظل تراجع مردودية الصيد البحري.ولا يقتصر دور النساء على الصيد فقط، بل يشمل كذلك الأعمال المرتبطة به، مثل تنظيف الشباك وإصلاحها وصبغ "الغزل" وتركيبه وتجهيزه قبل العودة إلى البحر. وهي أعمال دقيقة ومتعبة تتطلب وقتا طويلا وخبرة متوارثة عبر الأجيال.

هذا التراكم اليومي للمهام يجعل النساء البحّارات أكثر عرضة للهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، خاصة مع غياب الحماية الاجتماعية وضعف الاعتراف بعملهن داخل قطاع الصيد. فالكثير منهن يشتغلن في الاقتصاد غير المنظم، دون تغطية صحية أو تقاعد أو دخل قار، ما يجعل أي تراجع في الثروة البحرية أو اضطراب في المناخ ينعكس مباشرة على استقرارهن المعيشي.كما أن التغيرات المناخية وتراجع الموارد البحرية زادا من حجم الضغط على النساء تحديدا، إذ أصبحت بعض الأنواع البحرية التي كانت توفر دخلا إضافيا لهن نادرة أو شبه منقرضة.
حسب تحقيق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة الصادر سنة 2023 تحت عنوان "توسيع نطاق الحماية الاجتماعية لفائدة البحّارة والعاملين في قطاع الصيد في تونس" يقر بأن وضع النساء العاملات في قطاع الصيد البحري في تونس يتسم بهشاشة اقتصادية واجتماعية واضحة، رغم الدور الأساسي الذي يقمن به داخل هذا القطاع. فهؤلاء النساء لا يقتصر عملهن على النشاط البحري فقط، بل يمتد إلى مختلف مراحل سلسلة الإنتاج، من تجهيز المصطادات ومعالجتها إلى التسويق وإعادة تهيئة معدات الصيد، وهي أعمال تظل في كثير من الأحيان غير مرئية ولا تُحتسب ضمن العمل المأجور بشكل عادل، ما يحدّ من استفادتهن من العائد الاقتصادي الفعلي للقطاع.
إلى جانب هذا التهميش الاقتصادي، تعاني النساء البحّارات من ضعف كبير في التغطية الاجتماعية، حيث يظل جزء هام منهن خارج منظومات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والتقاعد، وهو ما يضاعف من هشاشتهن، خاصة في ظل طبيعة العمل الموسمية وغير المستقرة التي تميز قطاع الصيد التقليدي. كما تواجه هذه الفئة صعوبات إضافية تتعلق بصعوبة النفاذ إلى التمويل والتكوين والخدمات الداعمة، فضلا عن محدودية حضورهن في مواقع اتخاذ القرار داخل الهياكل المهنية والتنظيمية للقطاع، وهو ما يعمّق الفجوة بين النساء والرجال في نفس المجال.
وبحسب البحارة زينة وفضيلة وعلياء بوستة كثير من النساء أصبحن يجدن صعوبة في توفير دخل مستقر بسبب تراجع الكائنات البحرية التي كن يعتمدن عليها.


ورغم هذا الواقع الذي يطغى عليه الطابع الهش للعمل في قطاع الصيد، فإن الصورة لا تخلو من حالات تعكس تنوع الخلفيات الاجتماعية والتعليمية للنساء العاملات فيه. إذ نجد من بين البحّارات نساء حاصلات على شهادات تعليم عالٍ، اخترن أو وجدن أنفسهن منخرطات في هذا المجال إلى جانب أزواجهن، مثل البحّارة علياء بوستة المتحصلة على شهادة في الفنون الجميلة، وهو ما يعكس تداخل العوامل الاقتصادية والواقعية مع المسارات الدراسية، ويؤكد أن الالتحاق بهذا القطاع لا يرتبط دائما بمستوى التكوين بقدر ما يرتبط بضرورات العيش وظروف العمل المتاحة.
البحر الذي تغيّر: حرارة مرتفعة وكائنات تختفي
تُعد جزر قرقنة من أكثر المناطق التونسية هشاشة أمام التغيرات المناخية، بسبب طبيعتها الجغرافية المنخفضة وارتباطها المباشر بالبحر.
أثبتت دراسة علمية بعنوان "تطور الأسطح المالحة في أرخبيل قرقنة بين سنة 1963 و2010 " أن التغيرات المناخية التي شهدتها المنطقة منذ سبعينات القرن الماضي أدت إلى اضطرابات بيئية واضحة، من بينها ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتوسع السبخات المالحة، وتزايد ملوحة التربة والمياه الجوفية.
كما بيّنت الدراسة أن أرخبيل قرقنة يتميز بارتفاع منخفض جدا عن سطح البحر، إذ لا يتجاوز متوسط الارتفاع 2.5 متر، ما يجعله أكثر عرضة لتأثيرات ارتفاع مستوى البحر والتآكل الساحلي.
هذه التحولات البيئية لم تبقَ حبيسة الدراسات العلمية، بل أصبحت جزءا من الحياة اليومية للبحّارات.
تقول زينة جابر إن البحر تغيّر بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، وإن كثيرا من الأنواع البحرية التي كانت متوفرة سابقا اختفت تدريجيا.
وتشير إلى تراجع وجود "القرنيط" و"الكروفات" و"القافلة" و"الببوش"، وهي كائنات بحرية كانت تمثل مورد رزق لعدد من النساء اللواتي يشتغلن بجمعها وبيعها.

وقد أكد المهندس البيئي والمختص في الشأن المناخي حمدي حشاد على أن ارتفاع حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط يؤثر مباشرة على الكائنات البحرية، خاصة الأنواع الحساسة للتغيرات الحرارية، كما يؤدي إلى اضطراب دورات التكاثر وتراجع التنوع البيولوجي البحري.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى التلوث، ساهم في تدهور البيئة البحرية بخليج قابس وقرقنة، وهو ما انعكس على مردودية الصيد التقليدي.
"الكيس والبلاستيك قتلوا البحر"
إلى جانب التغيرات المناخية، تواجه قرقنة أزمة تلوث بحري متفاقمة، خاصة بسبب البلاستيك. ففي السنوات الأخيرة، ازداد انتشار النفايات البلاستيكية ومعدات الصيد المهملة داخل البحر، ما أثر على التوازن البيئي البحري.
وقد أشارت دراسة حول التلوث البلاستيكي في السواحل والموانئ التونسية إلى ان خليج قابس يوجد فيه كميات كبيرة من النفايات البلاستيكية في الموانئ والسواحل، بما في ذلك الشباك والمصائد البلاستيكية التي تتحول إلى ما يُعرف بـ"الشباك الشبح"، أي المعدات التي تواصل اصطياد الكائنات البحرية حتى بعد التخلي عنها داخل البحر.
في نفس الموضوع
ويؤكد المهندس البيئي حمدي حشاد أن البلاستيك لا يهدد الكائنات البحرية فقط، بل يؤثر أيضا على السلسلة الغذائية البحرية وعلى جودة الموارد السمكية.
وترى زينة جابر أن التلوث البلاستيكي أصبح جزءا من الأزمة اليومية التي يعيشها البحّارة. وتقول إن "الكيس والبلاستيك" من بين الأسباب التي ساهمت في تراجع الحياة البحرية في قرقنة.
ومن أكثر الكائنات البحرية التي اختفت أو تراجعت بسبب التلوث حسب منسقة مشروع المحمية، ملاك السوسي أبرزها الأخطبوط لأن استعمال "الدراين" البلاستيكية المتواتر جعل من الأخطبوط لم يعد يقوم بالتكاثر كما في المعتاد وأصبحت الكمية قليلة جدا مقارنة بالسابقة. كما أنه هناك ظاهرة المد الأحمر الدي ظهرت في الشمال وايضا حوالي قبل 3 سنوات في ولاية المنستير وايضا في خليج قابس وهي علامة من علامات التلوث وتتسبب في اختناق الأسماك عن طريق علقه في غلاصم الحيتان…وايضا تسرب الغاز في البحر هو احد العوامل ايضا المساهم في اختفاء الكائنات المتوسطية من بحر قرقنة.
الكركارة… "حرث للبحر"

من بين أكثر القضايا التي يثيرها البحّارة في قرقنة، تبرز مسألة الصيد بالكركارة أو الصيد بالجر.
وتُعتبر "الكركارة" من طرق الصيد التي تعتمد على معدات تُجر داخل البحر، ما يؤدي إلى اقتلاع الأعشاب البحرية والكائنات الموجودة في القاع مثل البوسيدونيا. وتصف زينة جابر هذه الطريقة بقولها: “الكركارة كأنها تحرث البحر”.
وتضيف أن هذه التقنية “تقلع الحشيش من البحر”، في إشارة إلى الأعشاب البحرية التي تعتمد عليها الأسماك والكائنات البحرية للتكاثر.
في نفس الموضوع
وقد حذرت المراقبة البيئة بالمحمية البحرية والساحلية للجزيرات الشمالية بأرخبيل قرقنة، أنس البنزرتي، من أن الصيد بالجر يؤدي إلى تدمير نباتات "البوسيدونيا"، وهي من أهم الأعشاب البحرية في البحر الأبيض المتوسط ولها فوائد كثيرة منها انتاج الكربون والأكسيجين وهي محضنة للحوت ومصدر للغداء والتكاثر وهنا الكيس يدمر في مناطق التعشيش والأكل والمراعي ويدمر في البوسيدونيا الي هي مورد هام من الأكسيجين.

وتلعب هذه النباتات دورا أساسيا في حماية التنوع البيولوجي البحري، إذ توفر فضاءات طبيعية لتكاثر الأسماك والكائنات البحرية، كما تساهم في تثبيت التربة البحرية والحد من تآكل السواحل.
وتشير دراسة علمية إلى أن تراجع البوسيدونيا يؤدي إلى اختلال التوازن البيئي البحري وتراجع الثروة السمكية.
وترى زينة أن اختفاء بعض الأنواع البحرية مرتبط بشكل مباشر بهذه الممارسات. وتقول إن بعض البحّارة "يصطادون كل شيء"، ما ساهم في تراجع الكائنات البحرية واختفاء بعضها. وتروي زينة أنهم قاموا في فترة سابقة بحرقة رمزية باستعمال القوارب، للتعبير عن رفضهم لتدمير البحر.
خليج قابس وقرقنة: التلوث الصناعي يصل إلى البحر
لا تتوقف المخاوف البيئية في قرقنة عند التغيرات المناخية والتلوث البلاستيكي والصيد الجائر، بل تشمل أيضا التلوث الناتج عن الأنشطة الصناعية والبترولية. وتقول زينة جابر إن جزءا من التلوث في البحر مرتبط بشركات الغاز والأنشطة البترولية الموجودة في المنطقة.
ويُعتبر خليج قابس من أكثر المناطق الصناعية والبحرية تلوثا في تونس، بسبب الأنشطة الصناعية الممتدة منذ عقود.

وحذر حشاد من أن التسربات والتلوث الصناعي يؤثران على جودة المياه والحياة البحرية، خاصة في المناطق التي يعتمد سكانها بشكل مباشر على الصيد البحري. كما أن التلوث الصناعي في خليج قابس ساهم في تراجع بعض الأنواع البحرية وفي الإضرار بالمنظومة البيئية الساحلية.
"مذبينا البحر يتحسن"… خوف على الذاكرة والهوية
في قرقنة، لا يرتبط البحر بالاقتصاد فقط، بل بالهوية أيضا.
فالنساء البحّارات لا يعتبرن أنفسهن مجرد عاملات في قطاع الصيد، بل جزءا من علاقة تاريخية و وثيقة مع البحر. وتقول زينة جابر إن حياتها كلها قضتها في البحر، وإنها لا تستطيع تخيل نفسها بعيدة عنه. لكن هذه العلاقة أصبحت اليوم مهددة. فمع تراجع الثروة البحرية وارتفاع كلفة الصيد والتغيرات البيئية المتسارعة، يزداد قلق البحّارات على مستقبل البحر في قرقنة.
وتقول زينة: "مذبينا البحر يتحسن كيما قبل… وياقفو عليه".
هذا النداء الذي تطلقه البحّارة الستينية لا يعكس فقط خوفا على مورد رزقها، بل خوفا على ذاكرة جماعية ونمط حياة كامل يتآكل تدريجيا. ففي قرقنة، لا يعني تدهور البحر خسارة اقتصادية فقط، بل خسارة جزء من هوية الجزيرة نفسها.



