في 13 مارس 2023، افتُتحت رسميًا أشغال "مجلس نواب الشعب" الجديد، إيذانًا بانطلاق مرحلة برلمانية تتأسس على أنقاض تجربة دستورية انطلقت سنة 2014 وتوقفت قسرًا عقب إجراءات 25 جويلية 2021، التي انتهت بحلّ البرلمان وتعليق العمل بالدستور، قبل أن يُعتمد دستور جديد إثر استفتاء 2022.
جاء هذا المسار في سياق خطاب سياسي حمّل البرلمان السابق مسؤولية الأزمة متعددة الأبعاد التي عرفتها البلاد بعد جائحة كوفيد-19، من تدهور الخدمات العمومية إلى تعمّق الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، واعتبره أحد أبرز أسباب ما وُصف بـ"العبث بالدولة ومقدّراتها".
ومع تنصيب البرلمان الجديد، إلى جانب "المجلس الوطني للجهات والأقاليم" المنبثق عن الانتخابات المحلية لسنة 2023، رُوّج لصورة مؤسسة تشريعية تقطع مع ممارسات الماضي، وتؤسس لـ"ثورة تشريعية" قائمة على "فكر جديد" عنوانه العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، وفق تعبير رئيس الجمهورية. كما تعهّد رئيس مجلس نواب الشعب بأن تكون الأولوية لتنزيل فلسفة الدستور الجديد عبر مشاريع قوانين تهدف إلى تحسين الأوضاع المعيشية في مختلف جهات البلاد.
تمثيلية ضعيفة… وقطيعة لم تحدث
لم تستقطب الانتخابات التشريعية لسنتي 2022–2023، التي أفرزت البرلمان الحالي، في الدور الأول سوى 1.02 مليون ناخب·ة (11.22٪)، ثم تراجع العدد أكثر في الدور الثاني إلى حوالي 895 ألف ناخب·ة. نحن هنا أمام برلمان انتُخب بأقل من ربع عدد المصوّتين في انتخابات 2014، وأقل من نصف المشاركين·ات في انتخابات 2019.
وتزداد الصورة وضوحًا عند التعمّق في تفاصيل النتائج. فقد فاز عشرة مرشحين·ات لغياب أي منافس لهم في دوائرهم الانتخابية، في سابقة تعكس عزوف الفاعلين عن خوض الاستحقاق. كما أن عدد الأصوات التي مكّنت بعض النواب من الوصول إلى البرلمان كان محدودًا للغاية، إذ لم يتجاوز في بعض الحالات بضع مئات من الأصوات: فقد فاز النائب عمر برهومي عن دائرة فرنسا 2 بـ 521 صوتًا فقط، كما فاز وجدي الغاوي عن دائرة المروج – فرحات حشاد بـ 934 صوتًا.
في المقابل، لم يتجاوز أعلى عدد من الأصوات تحصّل عليه نائب واحد 8280 صوتًا، وكان من نصيب محمد أمين مباركي عن دائرة سبيبة – جدليان – العيون (القصرين). هذه الأرقام تعني أن عدداً هاماً من النواب يمثّلون، فعليًا، "قاعدة انتخابية ضيّقة جدًا لا ترقى إلى مستوى تمثيل شعبي واسع"، ما يعمّق الفجوة بين المؤسسة البرلمانية والمجتمع "ويضعف مشروعية النواب" حسب أمين خراط محلل السياسات العمومية لدى "البوصلة".
ولا يقتصر التراجع على حجم المشاركة، بل يشمل أيضًا طبيعة التمثيل داخل البرلمان. فقد شهدت هذه الانتخابات انخفاضًا حادًا في تمثيلية النساء لتستقر في حدود 16٪ فقط، مقابل 31٪ في برلمان 2014 و26٪ في برلمان 2019. هذا التراجع يعكس حسب أمين خراط "أثر النظام الانتخابي الجديد القائم على الترشحات الفردية"، والذي ألغى آليات التناصف العمودي والأفقي التي كانت مفروضة على القائمات الحزبية، وأعاد إنتاج تمثيل سياسي أقلّ تنوّعًا وأكثر ذكورية.
التحوّل الذي كشفته هذه الانتخابات لا يقتصر على الحجم العددي للمشاركة أو النوعي، بل يمسّ جوهر التمثيل السياسي نفسه. فالبرلمانات السابقة، رغم ما شابها من أزمات وصراعات، كانت تعكس مشهدًا حزبيًا واضح المعالم: في 2014 برزت قوى كبرى بهويات سياسية معروفة مثل نداء تونس والنهضة والجبهة الشعبية وآفاق تونس، وفي 2019، ورغم التشتّت، ظلّت الخريطة مقروءة من خلال كتل حزبية تحمل خلفيات إيديولوجية واجتماعية محددة مثل النهضة وقلب تونس والتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة والحزب الدستوري الحر.
أمّا برلمان 2023 فقد قام على أفراد بلا أطر حزبية، حيث صعدت تسميات فضفاضة من قبيل "غير المنتمين لأي كتل" و"الأمانة والعمل" و"صوت الجمهورية" و"الأحرار"؛ وهي مسمّيات لا تحيل إلى برامج سياسية متمايزة ولا إلى مرجعيات فكرية أو اجتماعية واضحة، بقدر ما تعبّر عن تجمّعات برلمانية وظيفية "دون هوية واضحة" فحسب النائب عن كتلة "صوت الجمهورية" مليك كمّون:
"لم تكن الكتل ذات طابع حزبي أو ذات توجّهات سياسية موحّدة، بل كانت تنظيمية لتسيير العمل البرلماني. وقد وقع الاختيار عليها دون أن يتعرّف النواب إلى بعضهم البعض، مع رفض مقترح تأجيل اعتماد الكتل لمدة ستة أشهر".
يرى أمين خراط من جهته أن هذا التحوّل ليس عفويًا، "بل هو نتيجة مباشرة للهندسة السياسية التي فُرضت بعد 25 جويلية: نظام انتخابي قائم على الأفراد بدل القائمات، إلغاء التمويل العمومي للأحزاب، إضعاف دورها قانونيًا ورمزيًا، وترسيخ خطاب سياسي يُشيطن الوسائط ويُمجّد علاقة مباشرة ومجرّدة بين الرئيس والشعب."
وعلى عكس الخطاب الذي رُوّج له بأن هذا البرلمان سيشكّل قطيعة جذرية مع “نخبة العشرية” ويفتح المجال أمام تمثيل محلّي قاعدي متحرّر من هيمنة ما سمّاه الرئيس "الدكاكين الحزبية"، تكشف المعطيات مسارًا مغايرًا. إذ يضمّ المجلس قرابة سبعين نائبًا سبق لهم الانتماء إلى أحزاب سياسية كانت ممثَّلة في البرلمانات السابقة، من بينهم ثمانية نواب سابقين عادوا إلى المؤسسة نفسها ولكن عبر بوابة “الاستقلالية”. وتبرز خصوصًا أسماء وخلفيات مرتبطة بـ نداء تونس، حركة الشعب، آفاق تونس، وبعض مكوّنات الجبهة الشعبية سابقًا، وهي تيارات وجدت طريقها إلى البرلمان الجديد من خلال ترشحات فردية بلا يافطات حزبية.
فكتلة "صوت الجمهورية" (25 عضوًا) تترأسها آمال المؤدّب، التي شغلت سنة 2016 عضوية هيئة المنسقين في حزب نداء تونس. أما أبرز أعضاء "الكتلة الوطنية المستقلة" (18 عضوًا) عماد أولاد جبريل، وهو ناشط سابق في نداء تونس قبل أن ينتقل إلى حزب قلب تونس، أحد مكوّنات الائتلاف الحاكم سنة 2021. كذلك ترأس كتلة "لينتصر الشعب" سابقا (18 عضوًا) شخصية لها بدورها خلفية حزبية سابقة، إذ يقودها علي زغدود، الذي كان ناشطًا في نداء تونس بمنطقة بن قردان، وسبق أن ترشّح ضمن قائمته بدائرة مدنين في انتخابات 2014 دون أن يفوز بمقعد.
تعدّد القاعات.. ووحدة القرار
أقرّ دستور 2022 تحوّلًا بنيويًا جعل المؤسسة النيابية حلقة أضعف داخل النظام السياسي، بدءًا من الدلالة الرمزية المتمثّلة في سحب صفة "السلطة التشريعية" وتعويضها بمفهوم "الوظيفة التشريعية" الموزّعة بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم. هذه الوظيفة باتت محصورة أساسًا حسب أمين خراط "في المجال التشريعي الضيّق، مع أولوية واضحة لرئيس الجمهورية في المبادرة بالقوانين"، في حين يظلّ حق النواب في الاقتراح مقيّدًا : دعم ما لا يقل عن عشرة نواب للمبادرة، وألّا تُخلّ مقترحاتهم بـ"التوازنات المالية للدولة". أمّا المجلس الوطني للجهات والأقاليم، فدوره محدود في المصادقة على فئات معيّنة من القوانين، خصوصًا المتعلقة بالاتفاقيات والعقود الاستثمارية المرتبطة بالثروات الوطنية، ومشاريع الميزانية، ومخططات التنمية، دون أن يتحوّل إلى فاعل تشريعي كامل الصلاحيات. وهو ما يعتبره ماليك كمّون "تضخّمًا مؤسّساتيًّا"، مؤكّدًا أنّه "لا حاجة لوجود غرفتين برلمانيتين."
لا تكشف هذه الأرقام عن هيمنة قصر قرطاج على البرلمان من زاوية كمية فحسب، بل يدعو أمين خراط محلل السياسات العمومية إلى "مقاربتها من منظور نوعي أيضًا؛ إذ إنّ المقترحات ومشاريع القوانين الواردة من السلطة التنفيذية تمرّ في الغالب دون تعديلات جوهرية أو تنقيحات تمسّ بنيتها الأصلية".
في المقابل، يعتبر ماليك كمّون النائب عن كتلة صوت الجمهورية أنّ هذه الأرقام لا تثير القلق، إذ يرى أنّ المشرّع الفعلي هو الحكومة بحكم ما تمتلكه من إمكانيات وخبرة وأرشيف إداري. في المقابل، يُحمّل طريقة تسيير رئيس المجلس، إبراهيم بودربالة، جزءًا من مسؤولية التعطيل وإعاقة العمل التشريعي، واصفًا إيّاه بأنّه "وزير مكلّف بالتشريع والتغطية على أخطاء الحكومة".
والأهم أنّ البرلمان فقد أحد أدواره المركزية كما كان منصوصًا عليه في دستور 2014: تشكيل الحكومة ومراقبتها فعليًا. إذ أصبح رئيس الجمهورية الجهة الوحيدة المخوّلة لتعيين رئيس الحكومة وأعضائها وضبط السياسة العامة للدولة وتوجهاتها، على أن يقتصر دور البرلمان والمجلس الوطني للجهات والأقاليم على تلقّي الإعلام بهذه الخيارات.
وفي هذا السياق، يشير أمين خراط إلى مقترح قانون تجريم التطبيع، الذي تم تجاوزه دون المرور إلى التصويت ودون فتح نقاش عام حوله. إذ اكتفى رئيس البرلمان، إبراهيم بودربالة، بنقل موقف رئيس الجمهورية من المشروع، معتبراً أنّه آثر الاكتفاء بعرض هذا الموقف وتركهم يتصرّفون على ضوئه كما يرونه مناسبًا. فيما تم رفع الجلسة المخصصة للنظر في مشروع القانون بعد المصادقة على الفصلين الأولين وسط رفض عدد من النواب الذين تمسكوا بمواصلة الجلسة.
من ناحية أخرى، يخضع النواب لضغط سياسي إضافي يتمثّل في آلية سحب الوكالة عند ما يُعتبر "عدم تحمّل للمسؤولية" أو "عدم استجابة لتطلعات الشعب" وفق الخطاب الرئاسي، وهو ما يضع التمثيل النيابي تحت تهديد دائم. كما يبدو "أنّ عددًا كبيرًا من النواب يستبطنون فكرة غياب الاستقلالية"، أو ما عبّر عنه ماليك كمّون بـ"الانبطاح"، وهو ما يعزوه إلى غياب الطموح، والطمع في المناصب، والافتقار إلى المعرفة والقدرة. أو كما جاء على لسانه " تلك حدود الله".
في المقابل، يواجه بعض النواب من أصحاب المواقف والتصريحات المعارضة تهديدات ومضايقات، قد تصل أحيانًا إلى المتابعة القضائية، كما حصل مع النائب أحمد سعيداني. اذ اعتبر زميله في المجلس، ماليـك كمون، هذه المتابعة "خرقًا جسيمًا للدستور والإجراءات"، واصفًا إياها بـ"المحاكمة غير القانونية" و"البلطجة القانونية"، خاصة أنّه لم يُخطر مكتب المجلس برفع الحصانة. ويذهب كمون إلى أنّ طلبات رفع الحصانة في المجلس، والتي لم يُبتّ فيها بعد، تُستخدم بحسب تقديره كأداة "ابتزاز للنواب".
رغم أنّ الدستور يمنح البرلمان الحق في مساءلة الحكومة عبر آلية لائحة اللوم، فإن فعالية هذه الرقابة تبقى محدودة وتكتنفها العديد من المخاطر. فإذا تم تمرير لائحة لوم ثانية، يملك رئيس الجمهورية صلاحية الاختيار بين قبول استقالة الحكومة أو حلّ مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم أو أحدهما. هكذا تتحوّل آلية المحاسبة من أداة رقابية بيد المؤسسة التشريعية إلى ورقة ضغط قد تنقلب ضدّها، ما يكرّس اختلالًا واضحًا في توازن السلط لفائدة رئاسة الجمهورية، ويجعل البرلمان أقرب إلى "غرفة صدى لتعليمات الرئيس" حسب أمين خراط منه إلى سلطة تشريعية مستقلة.
"يقع استعمال آليات الرقابة على الحكومة بصفة كبيرة لفرض نوع من المقارنة العددية مع البرلمانات الفارطة، في محاولة لتغطية الدور الرقابي المحدود للبرلمان الحالي؛ فخلف حدّة الخطاب الموجّه للحكومة يبرز عتاب خفيف وأخوي تجاه الرئاسة، رغم أنها قانونيًا الجهة المسؤولة."
من الشعارات إلى النصوص: ماذا قدّم البرلمان اجتماعيًا؟
صادق مجلس نواب الشعب، يوم 4 ديسمبر 2025، على مشروع قانون المالية لسنة 2026، في جلسة قدّمها رئيس المجلس إبراهيم بودربالة بوصفها محطة جديدة في مسار "القطع مع مخلّفات الحقبة السابقة" وتجسيدًا لما سمّاه "ثورة تشريعية" يُفترض أن تنعكس إيجابًا على حياة المواطنين. بالعودة إلى نقاشات قانون المالية، وبالنظر إلى نسب الإنفاق الاجتماعي، وحجم الاستثمارات العمومية، وطبيعة الإجراءات المستحدثة، تتبدّد الصورة الوردية لـ"الدولة الاجتماعية" الموعودة، وتبرز حدودها بوضوح، بما يوحي بأنّ التغيير المعلن لم يرتقِ إلى مستوى القطيعة الموعودة، وأنّ المنوال القائم ما يزال يُعيد إنتاج نفسه بأدوات مختلفة. بل أن النقلة النوعية التي وعد بها بودربالة "ستكون نحو الأسوأ" حسب ماليك كمون.
ويزداد هذا الانطباع حدّة عند النظر في مسار إعداد المشروع ذاته. فقد أحالت الحكومة، مشروع قانون المالية على البرلمان خاليًا من مذكرة تفسيرية تشرح أسباب أحكامه وخياراته الكبرى، وهو ما يرجعه ماليك كمون "لغياب رؤية واضحة، خلف الشعارات".
كما أودعته من دون مشروع الميزان الاقتصادي للدولة والملاحق المفترضة المصاحبة له. ويشكّل ذلك مخالفة صريحة للفصل 46 من القانون الأساسي للميزانية لسنة 2019 الذي يحدّد الوثائق الواجبة الإرفاق بمشروع قانون المالية. وهي ليست سابقة معزولة، إذ لم تنشر وزارة المالية السنة الماضية هذه الوثائق إلا بعد أشهر من المصادقة على القانون، في تجاوز واضح للفصل 8 من القانون نفسه.
عمليًا، يعني ذلك أنّنا نقدّم، للسنة الثانية على التوالي، قراءة في أهم نص مالي في البلاد من دون الاطلاع على النتائج المنتظرة لتنفيذ ميزانية السنة الجارية، ولا على الفرضيات الاقتصادية المعتمدة، ولا على تفاصيل هيكلة الإنفاق العمومي وسائر المعطيات الأساسية التي يفترض أن تؤطّر النقاش البرلماني. وهو ما يعكس تهميشًا متواصلًا لدور البرلمان، الذي وجد نفسه مجددًا أمام مناقشة نصوص تقنية مجتزأة، اذ يرى ماليك كمون "ان مجلس النواب يفتقر كمؤسسة لأدنى الإمكانيات المادية واللوجستية والمعرفية لتوفير مقترحات ترتقي ان تكون نصوصا قانونية".
وعلى غرار السنوات الماضية، يكشف مشروع قانون المالية الهوّة الواسعة بين الخطابات الرئاسية حول الرفاه والتنمية واستعادة الدولة لدورها الاجتماعي، وبين السياسات العمومية الفعلية التي تواصل تثبيت المنوال الاقتصادي القائم وتستنسخ أدواته القديمة، مع بعض التعديلات الشكلية.
تطور نفقات الدولة الاجتماعية:
نلاحظ، عند التدقيق في أرقام الميزانية، أنّ ما يُقدَّم باعتباره دعمًا لـ"الدولة الاجتماعية" لا يتجاوز في جوهره تطورًا محدودًا اسميًا مقارنة بالسنوات الماضية. فحين تُحتسب هذه الزيادات على ضوء معدلات التضخّم يتبيّن أنّها تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها الفعلية، لتصبح غير كافية لإحداث نقلة حقيقية في القطاعات الحيوية. فلا هي قادرة على إعادة بعث مدرسة عمومية ذات جودة، ولا على توفير مستشفى عمومي لائق، ولا على تطوير شبكة طرقات وبنية تحتية تربط مختلف جهات البلاد، فضلًا عن عجزها عن إرساء منظومة تغطية اجتماعية تحمي كرامة المواطنين·ات وتحدّ من هشاشتهم.
بهذا المعنى، لا تكشف هذه الأرقام فقط محدودية الموارد، بل تعكس أيضًا غياب خيار سياسي واضح يضع المسألة الاجتماعية في صدارة الأولويات. فالميزانية، في صيغتها الحالية، تبدو عاجزة عن مواجهة أبرز التحديات الاجتماعية التي تعيشها البلاد.
تطور المداخيل الجبائية
من الزاوية الجبائية، لا تكشف الأرقام عن أي تحوّل جوهري في اتجاه عدالة أكبر، بل تؤكد استمرار اختلالات هيكلية قديمة. إذ تظلّ تركيبة الحصيلة الجبائية مثقلة أساسًا على كاهل الأجراء والعمّال والموظفين عبر الاقتطاع المباشر من الأجور، في حين يبقى إسهام أصحاب الثروات الكبرى والمجامع الاقتصادية دون المستوى الذي تعكسه قدرتهم الحقيقية على الدفع.
كما تواصل الضرائب غير المباشرة الهيمنة على موارد الدولة، وهي ضرائب تُوصَف غالبًا بـ"العمياء" لأنها تُفرض بنسب متشابهة على الجميع، بصرف النظر عن تفاوت الدخل والقدرة الشرائية. فيدفع محدودو·ات الدخل النسبة نفسها التي يدفعها الميسورون عند الاستهلاك، ما يعمّق الطابع اللاتكافئي للنظام الجبائي ويحوّل العبء الضريبي إلى عنصر إضافي في إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل الحدّ منها.
بذلك يمكن القول إنّ برلمان ما سُمّي بـ"الثورة التشريعية" لم ينجح، بعد قرابة ثلاث سنوات، في إرساء أسس نظام جبائي أكثر عدالة وتصاعدية، يحمّل الفئات الأقدر نصيبًا أوفر من العبء الضريبي ويخفّف الضغط عن الفئات الوسطى والضعيفة. فالاستمرارية، هنا أيضًا، تبدو أقوى من خطاب القطيعة.
"نموّ متراجع، تضخّم متصاعد، ولقاءات متتالية ومتكرّرة تعكس غياب أيّ تقدّم."
ماليك كمون
إجراءات محدودة .. وغير مدروسة
اتّسم قانون المالية الأخير، كما ذكرنا، ب غياب وثائق شرح الأسباب والمذكّرات التفسيرية التي تمكّن من فهم خلفيات الاختيارات المالية والاقتصادية. كما طغى على الإجراءات التي تقدّم بها النواب الطابع الظرفي والجزئي، في غياب رؤية شاملة أو دراسات جدوى واضحة، ما جعل مجمل التدخلات تبدو ترقيعية أكثر منها جزءًا من سياسة عمومية متكاملة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في نص المشروع التوسّع في إحداث خطوط تمويل صغرى تحت عناوين دعم الاستثمار ومساندة المؤسسات. فقد اقترح المشروع خط تمويل بقيمة 15 مليون دينار من موارد الصندوق الوطني للتشغيل لإسناد قروض ميسّرة حسب مؤشرات التنمية الجهوية، بهدف دعم المؤسسات في المناطق الأقل نموًا. غير أن هذا التوجّه يعيد إنتاج المقاربة نفسها التي اعتمدتها تونس منذ قرابة عقدين عبر “مناطق التنمية الجهوية”، وهي تجربة لم تفلح في تقليص الفوارق بين الجهات أو دفع تنمية مستدامة في الداخل، خصوصًا في ظل غياب البنية التحتية والمرافق الأساسية الضرورية لنجاح أي نشاط اقتصادي.
كما تضمّن المشروع خط تمويل إضافي بقيمة 10 ملايين دينار لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة، مع تكفّل الدولة بالفارق بين نسبة الفائدة الموظّفة على قروض الاستثمار ومعدل الفائدة في السوق النقدية. ونصّ كذلك على خط تمويل بـ 23 مليون دينار من موارد صندوق التشغيل لفائدة باعثي المؤسسات الصغرى، إضافة إلى خط بقيمة 10 ملايين دينار موجّه لصغار الفلاحين.
في المقابل، حازت الشركات الأهلية النصيب الأكبر من مخصصات التمويل، بقيمة 35 مليون دينار، رغم أنّ هذه الصيغة لم تثبت بعد جدوى اقتصادية واضحة منذ إحداثها قبل ثلاث سنوات، وذلك رغم حجم الحوافز غير المسبوقة التي وُضعت على ذمّتها. فحسب ماليك كمّون: "لا يبدو أنّ أيًّا من النواب يمتلك فهمًا حقيقيًا لطبيعة الشركات الأهلية وآليات اشتغالها، وهي ليست دافعة للتنمية أو لخلق الثروة، بل إنّ السيدة المكلّفة بالشركات الأهلية نفسها غير قادرة على تعريفها."
هكذا تتكدّس خطوط التمويل الصغيرة دون تقييم فعلي لنجاعتها أو انسجامها ضمن استراتيجية تنموية متكاملة، ما يحوّل السياسة العمومية إلى تجميع مبادرات معزولة بدل أن تكون مسارًا هيكليًا واضح المعالم.
ولا يختلف المشهد كثيرًا عند النظر في بعض القوانين الأخرى التي مرّت تحت قبّة البرلمان، ومنها تنقيحات مجلة الشغل ومنع المناولة. فالإشكال لم يقتصر حسب أمين خراط على مضمون النص، بل شمل أيضًا طريقة صياغته والمسار الذي أُقرّ عبره. فقد أكّد الاتحاد العام التونسي للشغل أن ما حصل لم يكن مجرد تنقيح تقني، بل “إقصاءً كاملًا للشركاء الاجتماعيين وتراجعًا خطيرًا عن تقاليد الحوار الاجتماعي في تونس”، معتبِرًا أن إصدار القانون بشكل أحادي يهدّد الاستقرار المهني ويمسّ بجوهر العقد الاجتماعي. ويذكّر الاتحاد بأن مجلة الشغل وُلدت أصلًا في سياق حوار ثلاثي، وأن أي مراجعة لها يفترض أن تتم بالروح نفسها، ضمن مقاربة إصلاحية شاملة تراعي معايير العمل الدولية ومقتضيات الدستور.
ويُعدّ هذا المسار مخالفًا أيضًا لأحكام القانون المحدث للمجلس الوطني للحوار الاجتماعي، الذي ينصّ صراحة على وجوبية استشارة المجلس في مشاريع القوانين والأوامر الحكومية المتصلة بالشغل وعلى ضرورة إرفاق رأيه بمشاريع القوانين المعروضة على البرلمان. غير أن هذا المقتضى ظلّ، في هذه الحالة، معطّلًا، بما يعكس من جديد نمط تشريع يتقدّم فيه القرار التنفيذي على منطق التشاور، وتتراجع فيه المقاربة التشاركية لفائدة تمرير نصوص في مناخ يغيب عنه الحوار الاجتماعي المنظم. وهو ما تكرر في قانون الشيكات والفاتورة الالكترونية.
التعويل على الذات.. من جيوب المقرضين
شهدت الفترة النيابية منذ سنة 2023 مصادقة المجلس على أكثر من 35 قرضًا ممنوحة من قرابة 16 جهة إقراض مختلفة، دون احتساب البنوك التونسية. وقد تجاوزت القيمة الجملية لهذه القروض 28 ألف مليون دينار، وهو ما يعكس تنامي الاعتماد على التمويل عبر الاقتراض خلال هذه المرحلة. ويبيّن السلم الزمني أدناه القروض التي تمت المصادقة عليها والجهات المانحة لكلّ منها.
يكشف مسار المصادقة على القروض عن إشكال جوهري في طريقة تعاطي البرلمان مع هذه المهمّة، إذ إن توقيع قانون القرض من قبل السلطة التنفيذية يعني عمليًا إتمام التفاوض واعتماد جميع شروط القرض. وهكذا يصبح دور البرلمان محصورًا في خيارين فقط: إمّا القبول بالقرض كما هو أو رفضه كليًا (كما حدث في حالة القرض الأخير الموجّه للوكالة الفرنسية للتنمية AFD)، وفي حال الرفض، إمّا العودة لإعادة التفاوض، أو طلب تعديلات أو تخفيضات، أو إعادة الملف إلى الحكومة لمراجعته.
بالتالي تصبح السلطة التنفيذية هي الطرف الوحيد المسؤول عن تحديد كل معايير القروض وشروطها، في حين لا يتمكّن البرلمان بدوره التشريعي من وضع إطار قانوني يحدّد المعايير الأساسية للدين العمومي ويضبط الخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها عند التفاوض على القروض.
كما يتعيّن على البرلمان القيام بدوره الرقابي عبر فرض إعداد تقارير سنوية مفصّلة حول أداء القروض، تشمل نسب الإنجاز، المبالغ المصروفة، وتوجّهات الإنفاق، إضافة إلى ضمان النفاذ إلى جميع الوثائق المتعلقة بالقروض، وخاصة عقود القروض، و هو أمر غير متوفّر اليوم بطريقة منهجية.
في كثير من الحالات يتم ملاحظة عدم التلاؤم بين عنوان مشروع القانون ومحتوى وثيقة شرح الأسباب، ومع ضعف تناسق المعلومات، من الصعب على النواب اتخاذ قرارات بمعرفة كاملة لملفات القروض. فإذا أخذنا مثال القرض المبرم بين الجمهورية التونسية والصندوق الدولي للتنمية الزراعية حيث يتساءل النواب عن عدم التلاؤم بين عنوان مشروع قانون يتعلق بتمويل مشروع “فولوريه” للنهوض بالفلاحة الجبلية الصغرى بالشمال الغربي (DINAMO) ومحتوى وثيقة شرح الأسباب، فسّر وزير الفلاحة أن الأهداف المرجوّة من هذا المشروع المندمج هي المساهمة في تحسين مؤ شّر التنمية بالمناطق الجبلية بشمال غرب البلاد من خلال خلق ديناميكية اقتصادية واجتماعية مندمجة بالجهة ولا تقتصر على الفلاحة الجبلية فقط. في حين اعتبر رئيس لجنة المالية أن وثيقة شرح الأسباب تضمّنت معطيات حول أهداف المشروع المتعلقة خاصة بتحسين نجاعة قطاعات النقل، وتطوير قطاعات الطاقة والمياه، وتطوير أداء المؤسسات الحكومية وحوكمتها، و لا تتطابق هذه المعطيات مع نصّ فصل مشروع القانون.
كما تُقدَّم القروض المخصّصة لمشروع الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا على أنّها موجّهة لدعم الطاقات المتجدّدة، والحال أنّها لا ترتبط مباشرة بتطوير هذا القطاع. إذ يقتصر الهدف الأساسي للمشروع على ربط الشبكتين الكهربائيتين التونسية والإيطالية، دون أن يشمل إنشاء محطات إنتاج للكهرباء من مصادر طاقة متجدّدة.
خلال عرض مشاريع قوانين القروض على الجلسات العامة، لا يُرفق في كثير من الأحيان عقد القرض نفسه بالملف المعروض، إذ تكتفي الجهة الحكومية المعنية بتقديم المعطيات الأساسية ضمن وثيقة شرح الأسباب. وفي هذا السياق، يطالب عدد من النواب مرارًا بتمكينهم من مختلف الوثائق والتفاصيل المرتبطة بالقرض، كما يدعون أحيانًا إلى عقد جلسات استماع إضافية قبل المصادقة، لاستشارة أطراف أخرى معنية بالمشروع. ورغم ما يثار من نقاشات وتحفّظات حول بعض الجوانب، تنتهي الجلسات في الغالب بالمصادقة على قانون القرض.
في هذا السياق، يرى أمين خراط أنّه "وإن كانت تونس قد أعلنت القطيعة مع صندوق النقد الدولي، فإنها لم تقطع مع منطق التداين". بل يذهب إلى أبعد من ذلك معتبرًا أنّ السياسات الاقتصادية المعتمدة حاليًا تبدو أقرب إلى تطبيق جانب من حزمة الإصلاحات التي يدعو إليها الصندوق، لاسيما ما يتعلّق بالتحكّم في كتلة الأجور، والحدّ من الانتدابات في الوظيفة العمومية، ومواصلة مسار تحرير أسعار الطاقة.
تطور خدمة الدين العمومي
من جهة أخرى، يشير أمين خراط إلى أنّ "التراجع النسبي في اللجوء إلى التداين الخارجي قابله توسّع في التداين الداخلي"، الذي يُستخدم أساسًا لسدّ عجز الميزانية الجارية "بدل توجيهه لتمويل مشاريع إنفاق أو استثمار عمومي". ويرى أنّ هذه المقاربة قد تخلّف جملة من التداعيات الاقتصادية، من بينها "ضغوط تضخّمية وتراجع السيولة داخل السوق المالية"، بما قد يفاقم هشاشة التوازنات المالية ويغذّي مخاطر أزمة مالية محتملة.
أمّا عن طبيعة التغيير الذي حملته فعليًا ما سُمّي بـ"الثورة التشريعية"، فيرى أمين خراط أنّ المشهد قد تحوّل من "مجلس، رغم ما شابه من عيوب ونقائص، كان يمثّل مؤسّسة قائمة بذاتها وفضاءً حيًّا للصراع السياسي يمكن من خلاله انتزاع مكاسب اجتماعية ومجتمعية، إلى مجلس تبدو هامشية دوره اليوم أكثر وضوحًا، في ظلّ هيمنة السلطة التنفيذية". فموازين القوى لا تتيح للمجلس عمليًا الاضطلاع بدوره التشريعي والرقابي كما تقتضيه فكرة الفصل بين السلط. ليقتصر دوره على المصادقة على المبادرات القادمة من رئاسة الجمهورية، دون القطع مع المقاربات القديمة التي ما تزال تطبع ملامح المنوال التنموي والاقتصادي للبلاد، ودون ترجمة فعلية للشعارات التي تواصل السلطة رفعها، والتي بقيت في معظمها معلّقة دون أثر ملموس في حياة التونسيين·ات.

