الحراك البيئي في تونس: ديناميكيات الإحتجاج وتشديد القبضة القضائية

شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في الاهتمام بالمسألة البيئية، إذ تحوّلت أزمات النفايات والتلوّث، منذ ثورة 2011، من ملفات هامشية تُدار إداريًا في صمت، إلى قضايا رأي عام تتصدّر النقاش العمومي وتحظى بتغطية متزايدة. ولم يعد الدفاع عن البيئة مطلبًا تقنيًا معزولًا، بل ارتبط تدريجيًا بحزمة أوسع من الحقوق الاجتماعية، من الصحة والحق في الماء إلى العدالة المجالية.
بقلم | 24 فيفري 2026
15 دقيقة

في هذا السياق، برزت حركات شعبية قاعدية طالبت بإغلاق المكبّات العشوائية، ووقف التلوّث الصناعي، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن الإضرار بصحة السكان، مقابل نشوء مبادرات منظّمة داخل المجتمع المدني ركّزت على قضايا السيادة الغذائية، والعدالة المناخية، والتحوّل الطاقي، وأنماط الإنتاج الفلاحي المستدام.

ورغم هذا الزخم المتنامي واتساع رقعة التحرّكات الميدانية من صفاقس إلى المنستير مرورًا بقابس، ظلّت الاستجابات الرسمية متذبذبة؛ إذ تراوحت بين التعتيم الإعلامي أو التناول الانتقائي في الإعلام العمومي، والمماطلة الإدارية من قبل سلط الإشراف، وصولًا إلى توظيف الآليات القضائية لملاحقة بعض الناشطين. وهكذا بات الحراك البيئي يتحرّك في فضاء مشحون، يتقاطع فيه مطلب الحق في بيئة سليمة مع حدود المجال العام وإكراهات التقاضي.

نسق نموّ مطّرد للحراك البيئي في تونس

شهدت تونس إلى موفّى سنة 2025 نسقًا تصاعديًا ملحوظًا في الحراك البيئي، في سياق عام اتسم بعودة قوية للاحتجاجات الاجتماعية إلى الميدان بعد فترة من الهدوء النسبي والانخفاض الحاد الذي ميّز السنوات السابقة. فقد سُجّل مع نهاية سنة 2025 ارتفاع غير مسبوق في عدد التحرّكات الاحتجاجية بنسبة تقارب 80% مقارنة بسنة 2024، بما يعكس ما يمكن توصيفه بـ"الانفجار الاحتجاجي" الجديد.

ورغم هذا التصاعد العام، يعيش الحراك البيئي حالة من الاستقرار النسبي مقارنة بالحراك الاجتماعي، إذ لا تزال التحرّكات البيئية تمثل نسبة محدودة من مجموع الاحتجاجات. غير أن محدودية العدد لا تعني ضعف الدلالة.

"هذه الحركات الإحتجاجية تنطلق من قضايا محدّدة، ذات طابع اجتماعي في جوهرها، لكنها تكتسب بُعدًا بيئيًا بحكم طبيعة المطالب والسياق". صابر عمار،
باحث في المسألة البيئية وعضو حراك "اوقفو التلوث".

ولعلّ المثال الأبرز على ذلك يتمثّل في أزمة التلوّث بقابس، التي تجسّد الترابط العضوي بين الحق في بيئة سليمة والحق في الصحة والتعليم والتنمية. فقد عرفت تحرّكات أهالي قابس خلال سنة 2025 نسقًا تصاعديًا منذ شهر سبتمبر، وتميّزت بالاستمرارية والقدرة على الحشد والتنظّم، لتُعدّ من أبرز التحرّكات البيئية خلال السنة، سواء من حيث الرمزية أو التأثير الإعلامي والسياسي.

سجّلت سنة 2025، 116 تحرّكًا من أجل الحق في بيئة سليمة إضافة إلى 175 تحرّكًا مرتبطًا بالحق في الماء، تمحور أغلبها حول المطالبة بالماء الصالح للشرب. وقد تزامن ارتفاع نسق هذه التحرّكات مع انطلاق الموسم الصيفي وارتفاع درجات الحرارة بين شهري ماي وأوت، حيث تم تسجيل 109 تحرّكات خلال شهر جوان وحده، أي ما يعادل قرابة 50% من مجموع التحرّكات المسجّلة خلال تلك الفترة.

شكّلت التحرّكات المطالبة بالحق في ماء الشرب 41% من مجمل التحرّكات الاجتماعية ذات الطابع البيئي، وكان أكثر من ثلثها مرتبطًا بالانقطاعات المتكرّرة للمياه، التي سُجّلت في 20 ولاية، على رأسها القيروان وقفصة.

في عدد من المناطق، تجاوزت الانقطاعات أسبوعًا كاملًا، خاصة في قفصة، في ظل اهتراء شبكات الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه (الصوناد)، وتعقّد وضعية المجامع المائية المثقلة بالديون وسوء الحوكمة. ورغم أن المعطيات الرسمية تشير إلى بلوغ نسبة التزوّد بالماء الصالح للشرب في الوسط الريفي 95.3% وطنيًا، فإن خمس ولايات ما تزال دون هذا المعدّل، من بينها القيروان التي لا تتجاوز فيها نسبة التزوّد عبر منظومة الهندسة الريفية 51.95%.

مثّلت التحرّكات ضد التلوّث الصناعي 14% من مجموع التحرّكات البيئية. وتصدّرت قابس المشهد منذ سبتمبر 2025، حيث طالب الأهالي بتفكيك الوحدات الملوِّثة التابعة للمجمع الكيميائي، في حراك اتّسم بالاستمرارية والقدرة على الحشد. كما شهدت منطقة صاحب الجبل بالهوارية احتجاجات متكرّرة ضد التلوّث الصادر عن أحد معامل تصبير الطماطم.

أما التحرّكات المرتبطة بالنفايات المنزلية والمصبّات العشوائية، فقد شكّلت حوالي 9% من الإجمالي، من بينها احتجاجات بالسلاطن (المهدية) والنخيلة (نابل) رفضًا لتداعيات المصبّات المراقبة على الصحة والبيئة.

وفي سياق متصل، تم رصد 19 تحرّكًا احتجاجيًا ضد تلوّث مياه الصرف الصحي، أبرزها في قصيبة المديوني (المنستير)، حيث عادت أزمة تصريف المياه الصناعية غير المعالجة إلى البحر خلال جوان 2025، ما أدّى إلى نفوق كميات كبيرة من الأسماك وأضرار مباشرة بقطاع الصيد البحري، وأعاد منسوب الاحتقان الاجتماعي إلى الواجهة.

مثّلت التحرّكات ذات الصلة بالقطاع الفلاحي نحو 27% من إجمالي التحرّكات البيئية. وتصدّر مطلب تأمين مياه الري قائمة المطالب، حيث تمّ توثيق 26 تحرّكًا احتجاجيًا دعت إلى ضمان تزويد منتظم ودائم بالمياه، إلى جانب معالجة أزمة المديونية واختلالات التسيير التي تثقل كاهل المجامع المائية.

"تمثّل هذه التحرّكات تقاطعًا نضاليًا ضدّ التهميش والحقرة، حيث يتداخل الاجتماعي بالبيئي في معركة واحدة."  - صابر عمار.

تتصدر القيروان خارطة الاحتجاجات البيئية من حيث العدد، إذ استأثرت بنحو خمس التحرّكات المسجّلة، بما يعادل 88 تحرّكًا، تمحور أغلبها حول الحق في الماء. "وإن ظلّ في أغلبه حراكًا أهليًا محدودًا ضمن نطاق محلّي ضيّق." حسب رمضان بن عمر الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في المقابل، تحضر قفصة ب45 تحرّك والتي "تتميّز بتقاليد احتجاجية راسخة تجعل الحراك البيئي فيها امتدادًا لذاكرة نضالية أوسع". أما قابس، التي سجلت 58 تحرّكًا، "أين تشكّلت “عادة حركية” مرتبطة بالبيئة نتيجة التلوّث الصناعي المزمن". في صيغة احتجاجية ترى في البيئة مدخلًا للعدالة الاجتماعية.

تنوّعت أشكال التحرّك البيئي بين الفضاء الرقمي والميدان، حيث استأثر النشاط عبر الوسائط الرقمية بنسبة 63% من مجمل التحرّكات، مقابل 37% للتحرّكات الميدانية. وتصدّرت النداءات عبر وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية المشهد، تلتها الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات أمام مقارّ الإدارات العمومية وعلى الطرقات.

كما برزت نداءات الاستغاثة والبيانات المنشورة على منصّات التواصل الاجتماعي كأداة تعبير أساسية، خاصة في المناطق التي تعاني ضعف التغطية الإعلامية. في المقابل، ظلّت الأشكال التصعيدية مثل الإضرابات وغلق الطرقات محدودة، إذ لم تتجاوز 4% من مجموع التحرّكات البيئية.

حراك بيئي أكثر تنظما وهيكلة

عرف المشهد البيئي في تونس خلال السنوات الأخيرة تحوّلات لافتة، سواء على مستوى أشكال التنظيم أو أنماط التحرّك. فقد تبلورت حسب رمضان بن عمر، من جهة أولى، "فاعلون محلّيون يراكمون الاحتجاج تدريجيًا نحو تشكّل حركات قاعدية ذات طابع مطلبي" نشأت غالبًا كردّ فعل عفوي على أزمات بيئية محدّدة، قبل أن تتطوّر تدريجيًا نحو قدر من الهيكلة والتنظيم. ومن جهة ثانية، "برز مجتمع مدني منبثق عن رحم الحركات الاجتماعية، طوّر أشكالًا جديدة من المبادرات تمزج بين التنظيم الأفقي والتخطيط، واشتغل على تقاطعات مشتركة بين الفاعلين، انتقالًا من مطالب جزئية إلى أفق رؤية سياسية أوسع" حيث برزت مجموعات تفكير ونشاط ذات امتداد أوسع، أقرب إلى المستوى الوطني، تُعنى بقضايا السيادة الغذائية، والانتقال الطاقي، والعدالة المناخية، وتربط بين المسألة البيئية وأسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية.

«أوقفوا التلوّث – قابس»:

أُطلقت حملة «أوقفوا التلوّث – قابس» في جوان 2012 بمبادرة من شباب بيئيين، احتجاجًا على التلوّث الصناعي في معتمدية غنّوش ومدينة قابس جرّاء أنشطة المجمع الكيميائي. منذ بداياتها، تمحور خطاب الحملة حول الحق في الحياة والحق في بيئة سليمة، مطالِبةً بتفكيك الوحدات الإنتاجية الملوِّثة أو نقلها بعيدًا عن المناطق السكنية.

على امتداد سنوات، ظلّ التحرّك يتّخذ طابعًا متقطّعًا، بين وقفات احتجاجية وبيانات وتحركات رمزية. غير أنّ خريف 2025 شكّل لحظة مفصلية، حين أعادت حوادث اختناق جماعي — وثّقتها مقاطع فيديو لتلاميذ — إشعال الغضب الشعبي. تحوّل التذمّر الصامت إلى موجة احتجاج واسعة، بلغت ذروتها في أكتوبر من نفس السنة بخروج عشرات الآلاف في مسيرة غير مسبوقة تحت شعار «الشعب يريد تفكيك الوحدات». ووصف مراقبون تلك التظاهرة بأنها الأكبر في تاريخ المدينة، وأول احتجاج بيئي جماهيري بهذا الحجم في تونس.

«مانيش مصبّ» – عقارب:

في صائفة 2018، انطلقت حملة «مانيش مصبّ» بمدينة عقارب من ولاية صفاقس، للمطالبة بإغلاق مطمر القنّة، الذي كان من المفترض غلقه قانونيًا منذ 2013، لكنه ظلّ يستقبل يوميًا قرابة 800 طن من النفايات.

اعتمدت الحملة خطابًا صحّيًا واضحًا، مستندًا إلى معطيات حول انتشار أمراض يُشتبه في ارتباطها بالمكبّ، وأطلق النشطاء صفحة فايسبوك تحمل اسم الحملة لتوثيق التجاوزات وحشد الدعم. تصاعدت وتيرة التحرّكات في نوفمبر 2021 عقب قرار إعادة فتح المطمر، حيث احتشد آلاف الأهالي لأربعة أيام متواصلة، في تحرّك جماهيري اعتُبر من أبرز محطات الاحتجاج البيئي في البلاد، رافعين شعار الحق في الصحة والعيش في بيئة آمنة.

«يزي ما سكتنا» – صفاقس:

في نوفمبر 2021، وعلى وقع أزمة تراكم النفايات في مدينة صفاقس، برز حراك «يزي ما سكتنا» كإطار احتجاجي جديد. فقد عاشت المدينة حينها على وقع تراكم الفضلات لأكثر من 54 يومًا، ما أثار مخاوف جدّية من تداعيات صحية خطيرة.

نظّم ناشطون اعتصامات ووقفات احتجاجية للضغط على السلطات المحلية والمركزية من أجل التدخّل العاجل. وحذّر منسّق الحراك، من «كارثة صحية وشيكة» بسبب انتشار الحيوانات الناقلة للأمراض. ارتكز خطاب الحراك، على غرار تجربة عقارب، على البعد الصحي المباشر للأزمة: الروائح الخانقة، الحرائق العشوائية للمكبات، وانتشار الحشرات والقوارض، في مدينة تُركت نفاياتها في الشوارع.

«يزينا» – الرديف:

في 26 فيفري 2025، أعلن شباب من مدينة الرديف بولاية قفصة عن تأسيس حراك «يزينا»، في سياق يتقاطع فيه التلوّث البيئي مع التهميش الاقتصادي والاجتماعي. فالمدينة، الواقعة في الحوض المنجمي، تعاني منذ عقود من تداعيات الأنشطة الاستخراجية لشركة فسفاط قفصة: غبار الفسفاط، الغازات السامة، وتدهور البنية التحتية والخدمات الأساسية.

لم يقتصر خطاب الحراك على المسألة البيئية بمعناها الضيّق، بل ربط بين التلوّث، البطالة، الهجرة القسرية للشباب، وأزمة المياه الصالحة للشرب. وطالب النشطاء بإجراءات عاجلة للحدّ من التلوّث، وبضمان حق الأهالي في الماء والصحة والتشغيل. وفي إحدى أبرز محطات التصعيد، دخل عشرات من الأهالي في اعتصام مفتوح داخل مغسلة الفسفاط التابعة للشركة، احتجاجًا على انقطاع مياه الشرب وعدم تنفيذ التعهّدات المعلنة.

"تتكرّر هذه الأزمات نتيجة غياب رؤية سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، وافتقار الدولة إلى استراتيجيات فعليّة لمعالجة التلوّث وإدارة النفايات، ما يجعل انفجار احتجاجات مثل صفاقس وعقارب أمرًا شبه حتمي. المنوال التنموي الاستخراجي يُنتج بدوره حركات احتجاجية ضدّ التلوّث الصناعي، كما في الرديف وقفصة وقابس، حيث تتحمّل الجهات كلفة الإنتاج دون أن تجني ثماره". - صابر بن عمار.

كما شهد المجتمع المدني التونسي في السنوات الأخيرة بروز مجموعة من الجمعيات والمنظمات التي تهتم بالقضايا البيئية، وتعمل على المستوى الوطني في مختلف الميادين المرتبطة بالبيئة.

 من أبرز هذه المبادرات، مجموعة شبيبة من أجل المناخ، التي تأسست عام 2019 كفاعل شبابي يركز على العدالة المناخية والاجتماعية. تنظم المجموعة مجموعة متنوعة من الأنشطة، تشمل ورشات تحسيسية حول التغير المناخي وتداعياته البيئية والاجتماعية والحلول الممكنة على المستويين المحلي والدولي، إلى جانب المشاركة في تحركات وحملات مناصرة، وذلك بهدف إيصال صوت الشباب والدفاع عن العدالة المناخية. أسفرت في النهاية عن توقيع ميثاق شراكة وتعاون مع وزارة التربية التونسية يقضي بإدراج مادة التربية البيئية ضمن المناهج التعليمية في تونس.

في السياق نفسه، يمثل مرصد السيادة الغذائية والبيئة هيكلًا جمعياتيًا يقوم بأبحاث أكاديمية حول القضايا المرتبطة بالنشاط الزراعي والغذائي والبيئي، بما في ذلك السيادة الغذائية، السياسات الفلاحية والعدالة الاجتماعية والبيئية. ويسعى المرصد إلى إنتاج ونشر المعرفة الموجهة للمواطنين والمجتمع المدني، الشباب والطلبة، الباحثين وأصحاب القرار.

تأسست شبكة سيادة عام 2017 كإطار موحد للنضال يجمع الجمعيات والمنظمات الشعبية والنقابات والحركات الاجتماعية والتنظيمات ذات التوجه المعادي للسياسات المدمرة للبيئة. وتهدف الشبكة إلى إرساء السيادة الغذائية وتحقيق العدالة المناخية والبيئية، ووضع حد للاستغلال وتدمير الحياة. وتسعى الشبكة إلى تحقيق أهدافها من خلال مجموعة من الوسائل النضالية، تشمل الدراسات النقدية، الحملات، التحسيس والتوعية، التكوين، أشكال النضال الميدانية، التشبيك مع الحركات ذات الأهداف المشتركة، وكل أشكال التضامن والتنسيق.

من جهته، يركّز المرصد التونسي للمياه على قضايا الحق في الولوج إلى المياه في تونس، ويعمل على التأثير في السياسات والممارسات المتبعة، ورصد مدى التزام الأطراف الوطنية والدولية في قطاع المياه، بهدف تحسين ظروف وصول مختلف الفئات الريفية والحضرية إلى خدمات المياه والصرف الصحي. وقد أنشأ المرصد منصة إلكترونية للإبلاغ عن انقطاعات المياه، تمكّن من توثيق الحالات ومتابعتها وحث الهيئات المعنية على التدخل وإدارة الموارد المائية بشكل مناسب.

فيما تأسست مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة عام 2020، وتختص بالدراسات والعمل الميداني بهدف إرساء نموذج طاقي بديل وعادل، يضمن توزيعًا متوازنًا للموارد الطاقية ويعزز التنمية المستدامة، بما يواكب متطلبات العدالة الاجتماعية والبيئية في تونس.

"الحاجة ملحّة إلى منظمات تشتغل على القضايا الاقتصادية والسياسية عبر صناعة المعرفة وإنتاج فكر نقدي منحاز، تشكّل رافعة للحراك الاجتماعي وأداة لفهم الواقع وطرح البدائل." -  صابر عمار.

تطويع القانون لتجريم الحراك البيئي

 كشف الناشط البيئي وعضو حملة “أوقفوا التلوث”، خير الدين دبية، أنه صُدم صباح الخميس 19 فيفري 2026، أثناء مراجعته لوضعيته بالمحكمة الابتدائية بقابس، بصدور حكم غيابي يقضي بسجنه لمدة عام كامل. وأوضح أنه لم يتلقَّ أي إشعار رسمي بالحكم، بل علم بالأمر مصادفة عبر أحد المتهمين في القضية نفسها. وأشار إلى أن الشاكي هو المجمع الكيميائي التونسي، وأن التهمة الموجهة إليه تتمثل في “تعطيل حرية العمل”.

ولا تبدو قضية دبية حالة استثنائية. فمنذ سنوات، يواجه نشطاء بيئيون واجتماعيون ملاحقات قضائية متكررة استنادًا إلى تهمة “تعطيل حرية العمل”، وذلك في سياق تحركات يؤكد المشاركون فيها طابعها السلمي. ووفق تقرير عرضته منظمة العفو الدولية خلال ندوة صحفية بعنوان “المعاقبة على التجمّع السلمي باستخدام تهمة تعطيل حرية العمل”، وثّق مكتب المنظمة في تونس 90 حالة شملت تحقيقات وإيقافات وأحكامًا بالإدانة استنادًا إلى الفصلين 107 و136 من المجلة الجزائية، وذلك بين فيفري 2020 وجانفي 2025.

وينص الفصل 136 على عقوبة سجنية قد تصل إلى ثلاث سنوات، إضافة إلى خطية مالية، لكل من يتسبب أو يحاول التسبب، “بالعنف أو الضرب أو التهديد أو الخزعبلات”، في توقف فردي أو جماعي عن العمل أو استمراره. غير أن منظمات حقوقية تعتبر أن الصياغة الواسعة لهذا الفصل تفتح الباب أمام تأويلات تمتد لتشمل أشكالًا من الاحتجاج السلمي، مثل الاعتصامات أو الوقفات أمام المؤسسات العامة والخاصة.

وفي هذا الإطار، يرى الناشط بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، أن القمع والمحاكمات استُخدما كوسائل للضبط حتى قبل الثورة، مع اللجوء إلى القضاء كلما عجزت الدولة عن تقديم حلول فعلية، وهو ما تعزّز مع تركيز السلطة وتقليص هامش المبادرة لدى المسؤولين المحليين. ويضيف أن الدولة، بدل فتح مسارات تفاوض ومعالجة الأسباب الهيكلية للأزمات البيئية، عادت إلى اعتماد المقاربة الأمنية في التعامل مع الاحتجاجات، عبر إعادة توصيف القضايا ووسم المحتجين بالتخريب وتعطيل العمل بدل معالجة جذور الإشكاليات المطروحة.

في مدينة عقارب بولاية صفاقس، تعرّض نشطاء حراك “مانيش مصبّ” إلى تتبعات قضائية متتالية على خلفية احتجاجهم ضد مصبّ النفايات. ومن بينهم شكري البحري، الذي مثل في جوان 2022 أمام فرقة الأبحاث والتفتيش بالمحرس في ثالث قضية تُرفع ضده، بعد تحقيقين سابقين واستدعائه أمام المحكمة الابتدائية بصفاقس.

وفي 8 جوان 2023، صدرت أحكام في حق 38 شخصًا على خلفية تلك التحركات، تراوحت بين السجن لمدة تصل إلى عامين وخطايا مالية، بتهم شملت تعطيل سير العمل والتهديد والإضرار بملك الغير. ويؤكد عدد من المتهمين أن احتجاجاتهم كانت سلمية، واقتصرت مطالبهم على غلق المصب ومحاسبة المسؤولين عن التلوث.

وخلال الفترة نفسها، أُدين 14 ناشطًا في منطقة المرعنية بولاية صفاقس إثر احتجاجات ضد الأضرار البيئية الناجمة عن ثلاثة مصانع، من بينها مصنع لتحويل زيت الزيتون. وقد تقدم أحد أصحاب المصانع بشكوى ضد المحتجين، ووجهت إليهم تهم تتعلق بتعطيل حرية العمل، رغم تأكيدهم أن تحركاتهم لم تتجاوز الوقفات السلمية.

أما في مدينة كركر بولاية المهدية، فقد أفضت تحركات احتجاجية واسعة إلى غلق مصنع لتكرير مادة “الفيتورة” بسبب تداعياته البيئية والصحية وتأثيره السلبي على النشاط الفلاحي المحلي. ورغم ذلك، ظل عدد من الأهالي عرضة لملاحقات قضائية. ففي 10 مارس 2022، استُدعي محمد بن رجب وابنه من قبل قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بالمهدية، إثر شكوى اعتبرها ناشطون محاولة للضغط عليه وثنيه عن مواصلة قيادة الحراك.

وفي قرية البحيرين بمعتمدية برقو من ولاية سليانة، اعترض الأهالي على مشروع شركة لتعليب المياه، معتبرين أنه سيعمّق استنزاف الموارد المائية في منطقة تعاني أصلًا من جفاف متواصل. شملت الملاحقات معظم المشاركين في الاحتجاجات، وانتهت بعض القضايا سنة 2023 بسجن أربعة منهم لمدة أربعة أشهر مع خطايا مالية.

بالعودة إلى قابس، تعود الأحكام الصادرة مؤخرًا بحق خير الدين دبية و11 ناشطًا آخرين إلى 8 مارس 2023، على خلفية مشاركتهم في اعتصام سلمي سنة 2020 أمام الإدارة الجهوية للمجمع الكيميائي التونسي. وقد قضت الأحكام بسجنهم لمدة سنة بتهمة “تعطيل حرية العمل”، فيما نال ناشط آخر حكمًا بالسجن لمدة ثمانية أشهر.

ويرى رمضان بن عمر أن الدولة تتعامل مع النضال البيئي "بوصفه ترفًا أو انحرافًا عن “الأولويات الحقيقية”، وتطرح ضمنيًا مقايضة بين الحق في الشغل والحق في بيئة سليمة." ويعتبر أن هذا الطرح يعيد إنتاج ثنائية مضللة بين التنمية والبيئة، في حين أن الأزمات البيئية في مناطق مثل قابس وصفاقس وسليانة ترتبط بخيارات اقتصادية وسياسات عامة لم تُراجع بعمق منذ عقود.

كما يشير إلى أن السلطة تتعاطى مع الاحتجاج "بنوع من الريبة، وتضعه في خانة المؤامرة، مستندة إلى نصوص مثل المرسوم 54 وخطاب التخوين"، ما يحدّ، بحسب تقديره، من إدراج القضايا البيئية ضمن نقاش اقتصادي وسياسي أشمل، أو فتح المجال أمام حلول تفاوضية ومستدامة.

بين نصوص قانونية قابلة لتأويل واسع وأحكام غيابية تطال نشطاء يؤكدون سلمية تحركاتهم، يستمر الجدل في تونس حول حدود تجريم الاحتجاج. ومع تكرار المشهد ذاته من عقارب إلى قابس، يعود السؤال ليطرح نفسه: هل تُوظَّف تهمة “تعطيل حرية العمل” لحماية الحق في الشغل فعلًا، أم أصبحت أداة لضبط الحراك الاجتماعي والبيئي حين تعجز السياسات العمومية عن تقديم بدائل واقعية؟

يرى صابر عمار الاجابة في ان "القانون صيغ  لحماية أنشطة استثمارية مدمّرة للبيئة أكثر ممّا وُضع لضمان السلامة البيئية؛ فالمصنع الذي يدمّر محيطه يحتجّ على “تعطيل العمل”، في حين أنّ نشاطه هو الذي يعطّل حياة الناس".


Inkyfada Landing Image

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري

أنشئ حسابك الآن وتمتع بميزات النفاذ الحصري ومختلف الخاصيات المتقدمة التي توفرها لك. تحصّل على عضويتك وساهم في تدعيم استقلاليتنا.

منصة إعلامية مستقلة في طليعة الابتكار التحريري. تسجيل الدخول